القدرة التشريعية لمجلس الشعب الجديد

0 11

لم يمر على السوريين، منذ يوم الاستقلال، فجرٌ أكثر أهمية من فجر الثامن من كانون الثاني، من سنة 2024. يومها استيقظ الناس على سوريا من دون طاغيتها، سوريا من دون الأسد، وكأنه فجر يفصل بين سوريّتين: سوريا الأسد، وسوريا حرّة من سجن الأسد وعهود الأبد.

ولقد دفع السوريون ثمناً غالياً باهظاً من دماء وتهجير وفقر وخوف وفَقْدٍ، كلّه من أجل التخلص من الاستبداد، ومن أجل انتزاع حرّيتهم وحمل بلدهم على أكتاف أحلامهم نحو يقظتها من سبات وركود داما عقوداً جاثمينِ على صدر البلد داخل جحر الفساد والمحسوبية والتهميش والعبودية السياسية.

ذهب الأسد وسقط نظامه، وأُفرِج على الناس من كربها، وصار الشعب يؤمّل النفس بدولة من دون استبداد وظلم وفساد، بدولة مؤسسات وقانون وبناء، وبوطن يحتضن الجميع ويرفع قيمة المواطنة وحقوقها وكرامتها إلى مصاف المحصّن بقوّة الدستور وثوابته.

لقد انتهت الحقبة السابقة وأُزيلت عن كاهل السوريين، وتسلّمت سلطة جديدة مكانها، سلطة خرجت من رحم الصراع الذي استمرّ زهاء أربع عشرة سنة لإزالة ذاك النظام، بعد أن حصل توافق عربي – إقليمي ودولي على شكل السلطة الجديدة وهيكلها، وحظيت بدعم سياسي كبير، على أن تكون هناك مرحلة انتقالية – وقد حدّدتها السلطة ذاتها بخمس سنوات – تكون تمهيداً لعهد دستوري وقانوني جديدين، ولعقد اجتماعي جديد يصلح ما أحدثته الحرب من شروخ.

كان هناك ثلاث قضايا أساسية منوط بالسلطة الانتقالية إنجازها وحلّ معضلاتها: وهي العدالة الانتقالية، ومؤتمر عام تأسيسي، ومجلس تشريعي يمثل الشعب بمكوناته وأطيافه المتعددة.

ولقد اعترى العدالة الانتقالية معضلات كثيرة ما تزال عالقة لم تُحل. والأمر ذاته فيما يخصّ المؤتمر العام الذي جُمع على عجل من دون أن يحقّق التمثيل المرضيّ عنه والمأمول.

وأما مجلس الشعب، فقد شُكّل بآليّة التعيين؛ إذ تم تعيين لجنة من قبل الرئيس أوكِلت إليها اختيار ثلثي أعضاء مجلس الشعب، بداعي أن الانتخابات في الوضع الراهن بعيدة المنال نظراً لوضع الدولة غير المستقر بعد.

وبعد أن تنجز اللجنة اختيار الثلثين، يختار الرئيس الثلث الباقي، تحت دعوى تحقيق التوازن الذي قد لا تحققه اختيارات اللجنة السابقة.

وهذا ما حصل وأُنجز بالفعل؛ فقد اكتمل أعضاء المجلس التشريعي من ثلثين معيَّنين من قِبل لجنة معيَّنة من قبل الرئيس، ومن ثلث مكمِّل معيّن من قِبَل الرئيس مباشرة.

وهذا يعني أن أعضاء المجلس لم يأتوا عن طريق صناديق الاقتراع واختيار الشعب، ويعني كذلك أنه كلّه مُعيّن من قبل الرئيس، وليس ثلثه الأخير المكمّل بحسب ما يبدو على الورق.

بيد أن التساؤل الأهم بخصوص هذا المجلس، الذي يفرض نفسه على الساحة السياسية كما فُرض هذا المجلس على الشعب بسبب عوامل بعضها واقعي وبعضها كان يمكن تجاوزها وعدم التعثّر بها والوقوف عندها، السؤال هو هل يستطيع مجلس معيّن تعييناً، ومن قِبل هرم السلطة التنفيذية، أن يقوم بواجبه التشريعي في تمثيل الشعب وسنّ تشريعات تلبيّ حاجته وتلزم السلطة التنفيذية التي يرأسها مَن عيّن المشرّعين أنفسهم؟

ولو قدّر لبعضهم أن يتصدّى للقضايا الوطنية الحسّاسة – وهذا هو عمل المجالس البرلمانية التشريعية في كل الدول التي ناضل الشعب وثار لأجل أن نكون مثلها إن لم نكن أحسن – فهل سيكون قادراً على إنجاز تشريعاته في حال وقف الثلث المعيّن تعييناً رئاسياً ضد تلك التشريعات؛ لأن هذا الثلث بلا أدنى شكّ سيأخذ بعين الاعتبار إرادة الرئيس؟

إذن: نحن أمام مجلس لا يختلف عن مجالس العهد السابق. ويعني – أيضاً – أن الرئيس سيكون صاحب السلطتين التشريعية والتنفيذية، اللتين تؤثران تأثيراً مباشراً على السلطة القضائية. وهذه السلطة القضائية قادرة على السيطرة على السلطة الإعلامية. فنحن أمام مرحلة انتقالية يمكن لها أن تفصّل مقاسات مرحلة ما بعد الانتقالية، وتشكّلَ قوالب الحياة السياسية المقبلة.

وهذا قد يعيد الوطن والدولة والشعب إلى نمط يتشابه مع العهد السابق، وربما يتجاوزه نحو تثبيت دعائم سلطة الفرد الواحد مرّة أخرى، على شعب تعب ويريد أن يعيش في وطن يريحه ويؤمِّن له حقوقه ويحفظ له كرامته.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني