
من صناعة الفقر إلى صناعة العافية: نحو نموذج مستدام للتمويل الصحي في سورية
في خضم المرحلة الانتقالية التي تعيشها سورية، لم يعد السؤال عن الصحة سؤالاً تقنياً محضاً يُختصر في عدد المستشفيات أو حجم الموازنة المخصصة للقطاع الطبي، بل تحوّل إلى سؤال فلسفي واقتصادي ووجودي يلامس جوهر العقد الاجتماعي الذي يُعاد صياغته. فكيف نبني نظاماً صحياً لا يُعيد إنتاج الفقر؟ هذا ما حذّرت منه في كتابي «صناعة الفقر: جدلية الفقر، المعونة، الفساد».
هذا السؤال هو المدخل الذي اخترت أن أبني عليه هذه المقالة؛ لأنه يضعنا أمام مفارقة عميقة: الدولة التي تريد أن تعالج مواطنيها مجاناً هي نفسها الدولة التي أنهكتها الحرب، وأفرغت خزانتها، وهاجرت كوادرها. والجواب عن هذه المفارقة لا يكمن في الانتظار حتى تتحسن الموازنة، بل في إعادة هندسة العلاقة بين التمويل وتقديم الخدمات والرقابة، على نحو يجعل الصحة حقاً لا عبئاً، ويحوّل القطاع الصحي من «صناعة الفقر» إلى «صناعة العافية».
قبل الحديث عن الحلول، لابدّ من تشخيص دقيق للواقع الراهن؛ لأن العلاج الذي لا ينطلق من تشخيص صحيح يتحول إلى هدر إضافي. وما نشهده اليوم هو تشتت بنيوي حاد يعصف بالمنظومة الطبية؛ إذ رافق الخلل الهيكلي انسحاب تدريجي للقطاع العام من التزاماته الأساسية، تاركاً الساحة لنمو عشوائي في القطاع الخاص، يعمل في ظل غياب الرقابة الصارمة.
ومع الأضرار البالغة التي لحقت بالبنية التحتية والمستلزمات الطبية جراء الحرب، والهجرة الجماعية للكوادر المؤهلة، واستمرار التدابير الاقتصادية القسرية أحادية الجانب، أصبح التمويل المباشر من جيب المريض هو السائد. ويمثل ذلك ذروة آليات «صناعة الفقر»؛ إذ تضطر العائلات إلى بيع أصولها لتأمين تكاليف العلاج الأساسي، ما يعمّق الفجوة الطبقية وينتهك مبدأ العدالة الاجتماعية.
ويجب التأكيد أن ضمان استمرارية أي نظام صحي دون انهيار مالي يقتضي تبنّي «اقتصاد المرونة» في التمويل، وهو المفهوم الذي أعمل عليه وأستشهد به دائماً بوصفه مخرجاً اقتصادياً واجتماعياً لحل هذه الإشكالية.
فاقتصاد المرونة لا يعني التقشف، ولا يعني رفع الضرائب على الفقراء، بل يعني بناء نظام تمويلي متعدد المصادر، قابل للتكيف مع الصدمات، ولا يعتمد على مصدر واحد هشّ، ويوزّع المخاطر بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والشركاء الدوليين. ويمكن تجسيد ذلك في نموذج مختلط يقوم على ثلاثة أعمدة أساسية:
أولاً: التمويل المحلي المبتكر
يتحقق ذلك عبر فرض رسوم وضرائب على السلع والأنشطة غير الضرورية أو الضارة، وتوجيه عائداتها لدعم صندوق الصحة. وتتميّز هذه الرسوم بأنها لا تؤثر مباشرة في معيشة المواطن اليومية، لأنها تُفرض على أنشطة يمكن الاستغناء عنها أو تقليصها دون إلحاق ضرر حقيقي بالفئات الهشة.
ثانياً: الشراكة العالمية الذكية
يمكن تحقيق ذلك عبر توجيه جزء من المساعدات الدولية، التي غالباً ما تُهدر في «فخ المعونات»، نحو دعم البنية التحتية الصحية بدلاً من الاقتصار على الإغاثة الطارئة، مع إشراف من منظمة الصحة العالمية لضمان الشفافية ومكافحة الفساد.
فالمعونة التي تُوجَّه إلى بناء مستشفى أو إنشاء معمل دوائي تُخلّف أثراً تنموياً دائماً، بينما المعونة التي تُوجَّه إلى توزيع أدوية إسعافية ينتهي أثرها بمجرد نفاد الشحنة.
ثالثاً: التكنولوجيا الرقمية
يتحقق ذلك عبر الاستثمار في السجلات الصحية الإلكترونية، بما يسهم في تقليل الهدر الإداري، وتسهيل وصول المرضى إلى الخدمات، والحد من التكرار غير المبرر للفحوصات المكلفة.
ولمواجهة هذا الواقع، وتفعيل النموذج المختلط القائم على الأعمدة الثلاثة، يتعين على الحكومة الانتقالية التوجه نحو «نموذج الرعاية التكافلية الشاملة»، بوصفه نموذجاً هجيناً يفصل بين جهة التمويل وجهة تقديم الخدمة؛ وهو فصل يستلهم فلسفة حوكمة النظم الصحية الحديثة.
ويُعدّ الفصل بين الجهة التي تدفع تكاليف الرعاية والجهة التي تقدمها إحدى الضمانات الأساسية للحد من تسييس التمويل الصحي، ومنع تحويل المستشفيات إلى ساحات للمحاصصة والفساد.
ولمعالجة معضلة التمويل دون تحميل المواطن أعباءً مادية إضافية، يمكن تطبيق نهج خاص في سورية، يقوم على إنشاء «صندوق التمويل الصحي السيادي الموحد»، يُموَّل من خلال رسوم تكافلية تُفرض على قطاعات الاتصالات والشركات الاستخراجية والصناعات الملوثة للبيئة والسلع الترفيهية الفاخرة.
على أن تتحمل الدولة بالكامل دفع الاشتراكات المستحقة عن غير القادرين والعاطلين عن العمل ومصابي الحرب، بما يقطع الطريق أمام محاولات تسليع الخدمة الطبية وتحويلها إلى أداة لإنتاج الفقر والتبعية الاقتصادية.
وبذلك ينتقل المفهوم من تأمين تجاري نفعي إلى شبكة أمان مجتمعية شاملة، وهو ما ينسجم مع الطبيعة التكافلية للمجتمع السوري.
ويمكن تعزيز هذا المسار بثلاث أدوات اقتصادية متكاملة:
1- كسر الاحتكار العالمي لشركات الأدوية: عبر تأسيس شراكات إستراتيجية لإنتاج الأدوية محلياً، بما يسهم في خفض فاتورة الاستيراد الدوائي بصورة كبيرة.
2- الاستفادة من الحجم الاقتصادي الكبير: عبر إبرام عقود موحدة للشراء الحكومي للأجهزة الطبية، بما يمنح الدولة قوة تفاوضية أكبر، ويحد من دور السماسرة والوسطاء.
3- تفعيل البعد الاجتماعي الأصيل: عبر إحياء نموذج الأوقاف الصحية وتعزيز المسؤولية المجتمعية للقطاع الخاص، من خلال إنشاء مراكز تميز طبي غير ربحية، تُدار بمرونة، وتُمنح لها مصادر تمويل مستدامة، مع تقديم حوافز ضريبية تشجيعية للمتبرعين.
إنّ تحويل النظام الصحي من «صناعة الفقر» إلى «صناعة العافية» يتطلب إرادة سياسية جريئة وفلسفة اقتصادية تدرك أن صحة المواطن هي رأس المال الحقيقي للدولة الانتقالية، وليست بنداً استهلاكياً في الموازنة.
فالدولة التي تستثمر في صحة مواطنيها لا تقدم خدمة اجتماعية فحسب، بل تبني أساس الإنتاج والاستقرار والسلم الأهلي، وتكسر الحلقة التي تربط المرض بالفقر والتبعية.