
مجزرة حاس بعد عشر سنوات.. 38 مدنياً وذاكرة تنتظر العدالة
في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2016، لم تكن المدارس في قرية حاس بريف إدلب مكاناً آمناً للأطفال. قرابة الساعة 10:52 صباحاً، استهدفت غارات جوية تجمع مدارس الشهيد كمال قلعجي، ثم طال القصف، وفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أطفالاً خرجوا من الأبنية وفرقاً حاولت إسعاف المصابين. انتهت المجزرة بمقتل 38 مدنياً، بينهم 18 طفلاً، 14 منهم من الطلاب، في واحدة من الهجمات التي تركت أثراً عميقاً في ذاكرة السوريين عن استهداف التعليم والمدنيين خلال سنوات الحرب.
بعد عشر سنوات، تعود ذكرى مجزرة حاس لتطرح سؤالاً يتجاوز استعادة أسماء الضحايا وحجم الخسارة: كيف يمكن أن تتحول ذاكرة الجريمة إلى مسار فعلي للمساءلة، يحفظ حقوق الضحايا ويمنع تكرار الانتهاكات؟
مدارس استُهدفت على مرحلتين:
تقع حاس بين مدينتي معرة النعمان وكفر نبل في ريف إدلب، وتبعد نحو ثمانية كيلومترات عن معرة النعمان. وفي تقريرها عن الحادثة، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان استهداف تجمع مدارس الشهيد كمال قلعجي، الذي يضم ثلاث مدارس: واحدة ابتدائية ومدرستين إعداديتين.
وبحسب التقرير، نفذت طائرتان حكوميتان ثابتتا الجناح من طراز «SU-22» غارات على الحي الجنوبي من القرية، مستخدمتين ما لا يقل عن تسعة صواريخ محمولة بمظلات، واستمر القصف قرابة عشرين دقيقة.
جاء الهجوم على مرحلتين؛ استهدفت الأولى أبنية المدارس، ما دفع الطلاب إلى الخروج منها، قبل أن يتعرضوا للقصف مجدداً على الطريق العام. وأشار توثيق الشبكة إلى أن تسلسل الهجوم يثير شبهة تعمد إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، وهي مسألة تستوجب التقييم في ضوء الأدلة المتاحة وظروف تنفيذ الغارات.
وأكد التقرير أن التحقيقات التي أجرتها الشبكة لم تجد في المناطق المستهدفة مراكز عسكرية أو مخازن أسلحة تابعة لفصائل المعارضة المسلحة أو التنظيمات الإسلامية المتشددة، سواء أثناء الهجوم أو قبله.
38 مدنياً… بينهم 18 طفلاً:
وثقت الشبكة مقتل 38 مدنياً في المجزرة، بينهم ست سيدات و18 طفلاً، 14 منهم من الطلاب، إضافة إلى أربعة من الكادر التدريسي. ولم تقتصر الخسارة على من كانوا داخل المدارس؛ فقد امتدت إلى أشخاص حاولوا إنقاذ المصابين، ومن بينهم الطبيب يوسف الطراف، الذي توفي متأثراً بجراحه بعدما أُصيب أثناء محاولته إسعاف الجرحى.
وتكشف هذه الحصيلة عن طبيعة الكلفة الإنسانية للهجوم: أطفال كانوا في مؤسسات تعليمية، ومعلمون يؤدون عملهم، ومسعفون وأشخاص حاولوا إنقاذ الأرواح. ولم تكن الخسارة أرقاماً في سجل توثيقي فحسب، بل غياباً ترك أثره في الأسر والمجتمع المحلي، إلى جانب الأضرار النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي أشار تقرير الشبكة إلى أنها لا تدخل كاملة في حصيلة الضحايا الموثقة.
استند التقرير إلى مقابلات مع أهالي القرية وشهود عيان وناجين ونشطاء إعلاميين محليين، إضافة إلى مراجعة الصور ومقاطع الفيديو والتحقق من صدقيتها. وأوضحت الشبكة أن ما وثقته يمثل الحد الأدنى الذي تمكنت من إثباته، مع احتفاظها بنسخ من المواد المصورة المرتبطة بالحادثة.
لماذا تُعد المجزرة جريمة حرب؟
تصف الشبكة السورية لحقوق الإنسان مجزرة حاس بأنها جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، وتضعها ضمن نمط استهداف المدارس والمدنيين الذي اتبعه نظام بشار الأسد خلال سنوات النزاع.
ويحظر القانون الدولي الإنساني استهداف المدنيين والأعيان المدنية، ومنها المدارس، ما لم تفقد حمايتها القانونية وفق الشروط المحددة. كما يفرض على أطراف النزاع التمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين. ويقتضي التقييم القانوني لأي هجوم فحص الهدف المقصود، والمعلومات المتاحة وقت التنفيذ، وطبيعة السلاح المستخدم، والآثار المتوقعة، والتدابير المتخذة لتقليل الخسائر المدنية.
وفي حالة حاس، تبرز أهمية جمع الأدلة المتعلقة باستهداف المدارس، والقصف اللاحق على الطريق العام، وغياب الأهداف العسكرية في المنطقة وفق ما وثقته الشبكة. وتساعد هذه العناصر في تقييم مشروعية الهجوم وتحديد المسؤوليات، مع ضرورة أن يستند أي حكم قضائي إلى أدلة موثوقة وتحقيق مستقل.
من إحياء الذاكرة إلى العدالة الانتقالية:
في الذكرى العاشرة للمجزرة، تؤكد الشبكة أن إحياء الذاكرة ليس مجرد استذكار سنوي للضحايا، بل واجب أخلاقي وقانوني يرتبط بحقوق أسرهم وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. فالعدالة لا تكتمل بتوثيق الجريمة وحده، بل تحتاج إلى حفظ الأدلة، والتحقيق في المسؤوليات، ومحاسبة من تثبت مسؤوليتهم وفق إجراءات قضائية عادلة، وضمان حقوق الضحايا وذويهم.
كما أن العدالة الانتقالية لا تعني الاقتصار على العقوبة؛ فهي تشمل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وإصلاح المؤسسات بما يقلل فرص تكرار الانتهاكات. وفي بلد عانى سنوات طويلة من الإفلات من العقاب، تصبح هذه المسارات جزءاً أساسياً من بناء الثقة بالقانون والمؤسسات.
بعد عقد على مجزرة حاس، لا تزال أسماء الضحايا تذكّر بأن حماية المدارس والمدنيين ليست قضية من الماضي، بل معيار لمدى قدرة سوريا على بناء مستقبل مختلف. وتبقى الأدلة التي جُمعت، والشهادات التي حُفظت، وذاكرة الأسر، عناصر لا غنى عنها في أي مسار جاد للمساءلة.
فهل تتحول ذكرى مجزرة حاس، بعد عشر سنوات، من استعادة الألم إلى خطوة عملية نحو محاسبة المسؤولين وجبر ضرر الضحايا، وبناء سوريا لا تبقى فيها المدارس أهدافاً للحرب؟