مؤشرات القوة العسكرية بين إيران والأنظمة العربية

0 49

تعد نظرية “التحدي والاستجابة” للمؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي (1975-1889)، من أهم النظريات الملهمة في سياق فلسفة التاريخ والحضارة، والتي تتمحور حول التحديات ودورها في استفزاز المجتمعات والدول ومراحل تطورها أو اندثارها، صاغ توينبي نظريته في كتابه الشهير “مختصر دراسة للتاريخ” وأكد على أن هناك نوعان من الاستجابة لكل التحديات التي تهدد وجود أمة ما، فعبر عنها بـ “الاستجابة الايجابية” و “الاستجابة السلبية”. وفي ظل هذه النظرية التاريخية التي تمثل حالة من وعي الذات، بما تمتلكه من مقومات القوة، استطاع النظام الإيراني أن يبني استراتيجيات أمنية وعسكرية تمثل حالة من الاستجابة لكل التحديات الوجودية والتهديدات الإقليمية والدولية.

إيران واستراتيجية الدفاع العسكري

مما هو معلوم أن إيران واجهت تحديين بعد قيام الثورة الإيرانية، الأول أنها في تلك اللحظة كان اعتمادها في التسليح على الولايات المتحدة الأمريكية بشكل شبه تام، فبعد الثورة وسقوط الشاه فرض الحصار عليها، ولم تكن قد بنت علاقات حسنة مع الاتحاد السوفيتي، أما التغير الثاني فكان الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وهو ما استنزف المخزون العسكري الإيراني بقدر كبير، ولم تكن إيران في تلك اللحظة قادرة على تبديل منظومة تسلحها العسكري، وهو الشيء الذي أجبرها على التفكير بالتصنيع المحلي استناداً لتخطيط استراتيجي بعيد المدى .

ومن هذه اللحظة بدأ الرفع التدريجي لنسبة الإنفاق على البحث العلمي من إجمالي الناتج المحلي، فإيران الآن تقع ضمن أعلى فئة الدول المتوسطة، بمعدل يصل إلى 0.79 وتسعى للوصول إلى 4% خلال العقد القادم، وهذا ما جعلها تقع في المرتبة 64 عالمياً في مجال الإبداع العلمي (Gll) عام 2024. ويصرف مؤشر القوة إيران ضمن أقوى 20 قوة عسكرية عالمية.

ووفق الترتيب العالمي لعام 2026. تحتل إيران المرتبة 16 من أصل 145 دولة شملتها المراجعة.

ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن عدد القوات المسلحة الإيرانية من بين الأكبر في غرب آسيا، حيث تضم ما لا يقل عن 580 ألف فرد في الخدمة الفعلية وحوالي 200 ألف فرد احتياطي مدرب موزعين بين الجيش التقليدي والحرس الثوري.

فالقطاع العسكري يأخذ الأولوية في هذا المجال، وتشير معظم المراجع في هذا الصدد إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي الإيراني في قطاعات التسليح (تصنيع محلي) بلغت:

  1. 60-70% من أسلحتها، مع التباين في النسبة لكل قطاع.
  2. 95% في قطاع الصواريخ والطائرات المسيرة.
  3. الدبابات والمدرعات والمدفعية وذخائرها 75%.
  4. الدفاع الجوي 60% محلي بخاصة في مجال الرادارات.
  5. الطيران الحربي يتم إنتاجه محلياً بنسبة 30%، وأغلبه طائرات تدريب أو تحديث لطائرات قديمة غربية أو روسية. لكن إيران ما تزال دون مستوى ما يسمى بـ “السيادة التقنية” نظراً للفقر في الإلكترونيات وأشباه الموصلات والمحركات المتطورة، ولكنها تعزز قدرتها الردعية من خلال التركيز على الصواريخ والطائرات المسيرة، إن معدل القوة الردعية (الكفاءة التقنية + القدرة على الاستمرار في الإنتاج المحلي + مجموع المحلي في إجمالي الناتج + القيمة الاستراتيجية للمنتج) فإن إيران تقع ضمن الدول ذات الردعية العالمية التي تصل إلى ما بين 0.5-0.6.

إن توسيع القدرة الإنتاجية المحلية تجعل الدولة أقل ارتهاناً للابتزاز الخارجي، من هنا أدركت إيران مركزية التخطيط العلمي، ويشير إيمانوئل تودد المفكر الفرنسي إلى أن 66% من الإيرانيين الذين يحصلون على الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية ينتمون لميادين الهندسة والعلوم الحديثة (وهي قطاعات مركزية في الصناعات العسكرية).

وأما فيما يتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني فقد شهد تطوراً متسارعاً منذ انطلاقه خلال الحرب الإيرانية – العراقية، مروراً بمرحلة الاكتفاء الذاتي، ووصولاً إلى تحقيق إنجازات تكنولوجية نوعية خلال العقود الأخيرة، ويعكس هذا التطور استجابة مباشرة.

للتحديات الأمنية والإقليمية، وسعي إيران لتعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية من خلال بناء قاعدة إنتاج محلية متنامية لأنظمة الصواريخ البالستية وصواريخ الكروز والفرط صوتية.

وكذلك طورت إيران صواريخ فضائية مثل “سيفر” و”سيمرغ”، ضمن مساعيها لإطلاق الأقمار الصناعية وتعزيز موقعها في سياق الفضاء، بما يخدم أهدافها العسكرية والمدينة.

منذ العقوبات الأولى على إيران، وطوال العقود الماضية، نجح النظام الإيراني في تطوير قدرة نفسية ومؤسسية على مواجهة أزمات متعددة الأبعاد، تشمل الحصار الاقتصادي، الاستنزاف العسكري، والعزلة الدولية، لم يكن هذا الصمود مقاومة عسكرية، بل كان نتاج تراكم استراتيجيات إدارية، ثقافية، عقائدية جعلت إيران دولة قادرة على الصمود الطويل في مواجهة القوة العظمى.

وفي سياق الاستعداد الحربي والعسكري وبناء استراتيجية القوة الردعية. 

  • استثمرت إيران من (10-17 مليار دولار بناء على تقديرات معاهد SIPRI الدولية). لبناء أكبر ترسانة بالستية بالمنطقة (3000+ صاروخ مثل خرمشهر وسجيل)،      
  • في المسيرات الـ (الدرونز)، نجحت في تحويل طائرات أمريكية سقطت عندها، وصنعت منها عائلات ” شاهد” و “مهاجر” بتكلفة منخفضة (20 ألف دولار)، وقوة تدميرية كبيرة.
  • وقامت ببناء “مدن صاروخية” تحت الأرض على أعماق تصل إلى 500 متر في مختلف المحافظات، مما يجعل تدمير ترسانتها من خلال ضربة جوية واحدة أمراً شبه مستحيل.   
  • وفي مجال الأمن السيبراني والحروب الإلكترونية، استثمرت إيران بشكل ضخم في إنشاء “جيش سيبراني” فهي تصنف اليوم ضمن أقوى 10 دول في العالم في الحرب الإلكترونية.
  • تحتل إيران المركز الرابع عالمياً في كم الإنتاج العلمي والنشر الدولي لأبحاث تكنولوجيا النانو، وتستثمر هذه الأبحاث في تطوير دروع عسكرية أخف وزناً وأكثر صلابة، وفي طلاءات تمتص موجات الرادار لزيادة قدرة الصواريخ والمسيرات على التخفي.

استطاع النظام الإيراني رغم عزلة دولية وحصار هو الأطول التاريخ الحديث، أن يبني قوة عسكرية إقليمية بارزة عبر استراتيجية

” الدفاع الجاهز” والاكتفاء الذاتي. وان يحتل المرتبة 16 عالمياً في مؤشرات القوة العسكرية لعام 2026، متقدماً على كل الدول العربية بما فيها دول الثراء الخليجي. 

الأنظمة العربية: غياب استراتيجية القوة

لا تملك الأنظمة العربية أدنى رؤية استراتيجية عن بناء القوة العسكرية الردعية الدفاعية التي تحمي السيادة والأمن القومي العربي، وتمثل حالة ردع لكل المعتدين والطامعين من قوى عظمى أو إقليمية. فمع غياب هذه الاستراتيجية الدفاعية وبناء القوة، يبدو العالم العربي مسرحاً أو ملعباً للنفوذ، وليس فاعلاً في تقرير مصيره واستشراف مستقبله.

يعود ذلك إلى حالة من “الفراغ السياسي” على المستوى الداخلي سببه تراجع فعاليات مؤسسة الحكم في عدد من الدول، حيث تحولت الدولة من مركز قرار إلى ساحة صراع بين مراكز متعددة، ما أضعف القدرة على الفعل. لكن ما يميز اللحظة الراهنة في العالم العربي هو الانزلاق إلى مستوى أعمق وأخطر من الفراغ السياسي ألا وهو “الفراغ الاستراتيجي” الذي يهدد الأمة بوجودها وكيانها وحاضرها ومستقبلها، وذلك نتيجة لغياب المشروع الوحدوي الذي يربط بين الموارد والقرار والغاية.

ليست المشكلة في امتلاك القوة، فالعالم العربي يمتلك عناصر قوة هائلة، من الطاقة إلى الموقع إلى الكتلة السكانية. ولكن القضية تتعلق بالوعي بأهم عناصر هذه القوة، ثم كيفية إدارة القوة واستخدامها، فـ “الفراغ الاستراتيجي” لا يعني الغياب، بل يعني الحضور دون قدرة على الفاعلية والتأثير. فهناك مؤشرات صادمة في العالم العربي، تتعلق بحجم الإنفاق العسكري.

فكيف نفسر أن 9 دول عربية تقع ضمن أعلى 20 دولة من دول العالم في نسبة الإنفاق العسكري إلى إجمالي الناتج المحلي وهي:

قطر(الربع عالمياً)، والبحرين (الخامس) السعودية (السادس) لبنان (الحادي عشر) الكويت (الثاني عشر) سلطنة عمان (الثالث عشر) الأردن (الرابع عشر) والجزائر (الثامن عشر) والمغرب (العشرون) ؟..

فحجم الإنفاق العسكري السعودي عام 2023 يساوي (75.8 مليار) وهو ما يعادل مجموع إنفاق إسرائيل (27.5 مليار) + تركيا (15.8 مليار) + إيران (10.3 مليار) + مصر( 3.2 مليار) + الجزائر(18.3 مليار)

وحتى لو قدرنا الإنفاق العسكري مع دول كبرى سنجد أن الإنفاق السعودي العسكري يزيد عن الإنفاق العسكري في بريطانيا حوالي 900 مليون دولار، وعن ألمانيا 9 مليار وعن فرنسا 14.2 مليار وعن اليابان 25.6 مليار دولار.

وكذلك لو ذهبنا إلى دولة صغيرة مثل قطر سنجد أن الإنفاق العسكري القطري يتفوق على إجمالي الإنفاق العسكري لبعض الدول الإقليمية المهمة في المنطقة، ومنها إيران فهي تتفوق عليها بحوالي 4.1 مليار دولار. أما ما يتعلق بالإنفاق العسكري الإماراتي فقد ارتفع من 5.88 مليار عام 2000 إلى 22.5 مليار عام 2023؟ وهو ما يعني أن إجمالي الإنفاق العسكري الإماراتي يساوي تقريباً ضعف إجمالي الإنفاق الإيراني، مع العلم أن عدد سكان إيران يساوي 45 ضعف عدد سكان المواطنين الإماراتيين؟

وتقدر الجهات العلمية المتخصصة في الشأن العسكري أن مجموع الإنفاق العسكري العربي عام 2025 بلغ – 165 مليار دولار.

فعلى الرغم من الإنفاق الهائل في الدول العربية وعلى رأسها دول الخليج، على قطاع التسليح واحتلالها مركزاً متقدماً في مؤشر العسكرة، إلا أن نتائج ذلك على الأمن والسيادة والتهديد الداخلي والخارجي متواضعة للغاية لا ترتقي إلى حجم هذا الإنفاق.

فالنظم العربية معنية بأمن النظام على حساب أمن الدولة وأمن المجتمع بل والأمن القومي العربي برمته. وهذا سببه غياب الرؤية الاستراتيجية التي تعطيه دور الفاعل والمؤثر في معادلة القوة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني