
سوريا بين الانتماء الوطني الشامل والانتماءات الضيقة
تعيش سوريا اليوم مخاضاً صعباً ومصيرياً، ستحدد مستقبلها نتائج هذا المخاض وتوجهاته، المداخلات والنابعة أغلبها من أفكار ضيقة أو ردود أفعال يفترض أن تكون عابرة، ولكن مع الأسف أصبحت أساسية للاصطفافات الضيقة، هذا بالإضافة للتدخلات الخارجية، ومنها إقليمية ومنها دولية، تبحث عن مصالحها، وأحياناً تتقاطع المصالح بين الأطراف المتدخلة لتنتهي إلى توافقات على حساب وحدة سوريا ومصالح شعبها.
لا يخفى على أحد أن المجتمع السوري يتكون من مجموعة من الطوائف والإثنيات والعشائر، ترتبط بعلاقات معقدة صهرتها حالات التعايش المتوارثة عبر مسيرتها الحضارية، وعبر ضرورة تشكيل الدولة الحديثة التي يعلو فيها الانتماء الوطني الواسع على كل الانتماءات الضيقة، وتتفق على المصالح الجامعة قبل المصالح الضيقة. وهذا ما ساهم بولادة دولة سورية وطنية جامعة غداة الاستقلال، دولة سجلت ولادة أول برلمان سياسي تعددي يضم خارطة كل الأطياف السورية ومكوناتها، ويشمل ممثلي كل الطبقات والتوجهات، ويجمع كل أصوات المناطق بتنافس إيجابي مبني على برامج لخدمة الوطن، على حساب الأيديولوجيا الحزبية والانتماء الضيق.
ولهذا شهدت الدولة الحديثة الولادة تطوراً اقتصادياً متسارعاً وتعايشاً اجتماعياً أدى لاندماج المكونات السورية في بوتقة الوطنية الموحدة للجميع.
ظل هذا الوضع المتنامي والراقي، والذي يشكل لمسة حضارية ومضرب مثل لكل الدول العربية وحتى لدول أوروبية كانت في هذه الحقبة الزمنية خلف سوريا بتطورها وتقدمها، إلى أن جاء نظام الأسد المجرم، الذي لعب على وتر الطائفية وتطبيق قاعدة «فرّق تسد»، التي عملت على تمزيق المجتمع السوري إلى طوائف وإثنيات وعشائر ومناطق وأرياف ومدن، ليعيش على تناقضاتها، وخلق زعامات دينية وقومية وعشائرية فصلها على مقاسات موالاته، مختاراً الانتهازيين والوصوليين والمطبلين على حساب النخب الوطنية والأكاديمية والاقتصادية والاجتماعية الفاعلة، ليتحكم بخيوط اللعبة القذرة التي مزقت المجتمع السوري وخلقت زعامات قومية ودينية وعشائرية انتهازية، كان هدفها الوحيد التصفيق للنظام ومساعدته في تعميق الشرخ الوطني.
ما دفعه لتحويل انتفاضة الشعب السوري وثورته ضد الظلم من طائفة المعارضة التي تضم كل مكونات الشعب السوري، ضد نظام قمعي إجرامي، مستخدماً كل الانتهازيين والمجرمين من الذين تربوا في كنفه، بحيث حاول حرف الثورة الشعبية لحروب دينية وطائفية وإثنية ليستمر بلعبته، مستعملاً بعض المجموعات المصطنعة للاصطفافات الإثنية لتشويه الثورة التي وحدت السوريين ضده.
ولعبت هذه المجموعات المسلحة وغير المسلحة، وبدعم من قوى خارجية، دوراً في تعميق الشرخ وتقوية الانتماءات الضيقة على حساب الانتماء الوطني الشامل، الذي تمسكت به النخب الوطنية الحرة من كل مكونات الشعب السوري.
وبعد سقوط النظام، ما زالت، مع الأسف، هذه الظاهرة متنامية، وقد أججتها وأعطتها الفرص بعض ممارسات أطراف أمنية من السلطة، ومحاولات فلول النظام لاستغلال هذه الثغرات وتوظيفها لترسيخ فكرة سوريا الطوائف والإثنيات بدل سوريا المواطنة، التي كانت حلم الشعب السوري الذي انتفض ضد نظام كان يوظف الطائفية لاستمرار حكمه وتسلطه.
واليوم، ومن أجل مستقبل سوريا وضمان وحدتها أرضاً وشعباً، ومن أجل عودتها دولة وطنية جامعة كما أرادتها الثورة التي قدمت أكثر من مليون شهيد وملايين المهجرين، وكل هذا التدمير وهذه الآلام، مطلوب منا أن نقدم انتماءنا الوطني على حساب كل الانتماءات الضيقة.
نحن لا ننكر أننا طوائف، ولكن علينا ألا نكون طائفيين، ولا ننكر أننا إثنيات، ولا يجب أن نكون إثنيين، ونفخر بأننا أبناء عشائر، وهذا لا يجب أن يدفعنا لنكون عشائريين.
كما علينا أن نرفض المصطلحات التي ابتدعها النظام ووظفتها الدوائر الإعلامية، بقصد أو غير قصد، كمصطلح «أقليات وأكثرية».
كما علينا أن نتذكر أننا لسنا الدولة الوحيدة التي تضم مجموعة مكونات، ومنها الدول المتحضرة والمتقدمة مثل أوروبا وأمريكا وكندا، ولكن مئات المكونات فيها توحدها الوطنية، رغم حداثة تكوين هذه الدول.
وأخيراً، علينا ألا نراهن على انتماءاتنا الضيقة على حساب وطنيتنا الجامعة، فالوطن حضن الجميع وحاميهم وموحدهم.
والوطنية ليست مشاعر وكلاماً وشعارات، بل هي ممارسة ومكاسب محسوسة وحماية أمنية وحفظ كرامة.
فلنعمل جميعاً من أجل إعادة اللحمة لاستعادة سوريا الوطن، تحت اسم دولة تحفظ كرامة الجميع وتجعلهم سواسية أمام القانون، وتحترم الكفاءات قبل الولاءات.
وهذا ليس ببعيد عن بلد مثل سوريا، لها تاريخ عريق بالتعايش الحضاري، وتملك نخبا وطنية قادرة على إعادة قطار بناء الدولة إلى سكّته.