
جامع السنانية كنزٌ معماري على أبواب التراث العالمي
بين ضجيج السوق ونبض التاريخ يظلّ جامع السنانية واقفاً كقصيدة حجرية تذكّر بأن التراث ليس ماضياً يُحكى بل حاضراً ينتظر من يصونه.
في قلب دمشق وعلى مقربة من باب الجابية يقف جامع السنانية شاهداً على مرحلة معمارية وسياسية مهمّة من تاريخ المدينة. هذا الجامع الذي شيّده محمد باشا بن سنان باشا في أواخر القرن السادس عشر، يمثّل واحداً من أبرز النماذج العثمانية التي امتزجت فيها روح إسطنبول الإمبراطورية مع الهوية الدمشقية المحلية. واليوم ومع تزايد الاهتمام العالمي بحماية التراث يبرز الجامع بوصفه حالة تستحق الدراسة في ضوء اتفاقية التراث العالمي لعام 1972 الصادرة عن اليونسكو وهي الاتفاقية التي تُعدّ المرجعية الدولية الأهم في حماية التراث الثقافي والطبيعي ذي القيمة العالمية الاستثنائية.
تقوم اتفاقية التراث العالمي على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها: تحديد التراث ذي الأهمية البارزة حمايته وصونه وترميمه وإعداد خطط إدارة متكاملة تضمن نقله للأجيال القادمة. وعند إسقاط هذه المبادئ على جامع السنانية تتضح مجموعة من العناصر التي تمنحه قابلية عالية للدراسة ضمن هذا الإطار، بل وتفتح الباب أمام التفكير بإدراجه مستقبلاً ضمن منظومة التراث العالمي إذا ما توفرت شروط الحماية والإدارة الملائمة.
يمتلك الجامع مجموعة من الخصائص التي تمنحه قيمة عالمية محتملة. فهو أولاً شاهد على الحقبة العثمانية في دمشق وثانياً مرتبط بشخصية تاريخية بارزة هي سنان باشا وثالثاً يجسّد تفاعلاً معمارياً بين مركز الدولة العثمانية وبيئتها المحلية في بلاد الشام.
كما أنّ استمرار استخدامه حتى اليوم يعزّز أصالة وظيفته الروحية، ويجعله جزءاً من التراث الحيّ للمدينة. إضافة إلى ذلك يقع الجامع في نقطة عمرانية واجتماعية نشطة خارج باب الجابية ما يمنحه حضوراً يومياً في حياة السكان والزوار.
وعند تطبيق معايير التراث العالمي الثقافية على الجامع، يمكن ربطه بثلاثة معايير أساسية.
الأول هو المعيار الثاني (ii) المتعلق بالتبادل الثقافي بين الحضارات، إذ يعكس الجامع تفاعلاً واضحاً بين العمارة العثمانية الإمبراطورية والهوية الدمشقية التقليدية.
أما المعيار الرابع (iv) فيبرز من خلال كون الجامع مثالاً بارزاً لنمط معماري عثماني – دمشقي متكامل، يتجلى في القبة المركزية، والرواق ذي السبع قباب، والمئذنة الخضراء المزجّجة، والواجهة الأبلقية.
ويأتي المعيار السادس (vi) ليؤكد ارتباط الجامع بشخصية تاريخية مؤثرة، هي سنان باشا، الذي ترك بصمة عمرانية واسعة في أنحاء الدولة العثمانية.
لكن القيمة العالمية لا تُقاس بالمعايير وحدها، بل تتطلب أيضاً تقييم الأصالة والسلامة.
من ناحية الأصالة ما يزال الجامع يحتفظ بعناصره الأساسية من حيث الشكل والمواد والوظيفة وهو ما يعزّز إمكانية اعتباره موقعاً أصيلاً. أما من ناحية السلامة فتواجه البنية العمرانية للجامع تحديات واضحة، أبرزها: تآكل الحجارة، تشققات القبة، التلوث البصري، التعديات العمرانية، والضغط المروري. هذه العوامل تُضعف سلامة الموقع وتستدعي تدخلاً عاجلاً لضمان استمراريته.
تُعدّ إدارة الموقع أحد أهم شروط اتفاقية التراث العالمي وهنا تظهر الحاجة إلى خطة إدارة متكاملة تشمل: حماية المشهد العمراني، تنظيم الزيارة، إزالة التعديات، إشراك المجتمع المحلي، وتطوير برامج التوعية. كما يمكن إدماج الجامع ضمن مسار سياحي – ثقافي بعنوان “دمشق العثمانية” يضم عدداً من المنشآت العثمانية في المدينة مما يعزز حضوره في الذاكرة السياحية والثقافية.
إنّ دراسة جامع السنانية في ضوء اتفاقية التراث العالمي ليست مجرد تمرين أكاديمي، بل هي خطوة نحو إعادة الاعتبار لهذا المعلم التاريخي، وتعزيز دوره في الهوية الثقافية لدمشق. فالتراث ليس حجارة صامتة، بل ذاكرة حيّة تتطلب حماية واعية وإدارة رشيدة كي تبقى شاهدة على تاريخ المدن وروحها.
وهكذا يبقى جامع السنانية، رغم ما يحيط به من تحديات شاهداً على قدرة التراث على الصمود وعلى حاجة دمشق الدائمة لمن يصون حجارتها كي تظلّ تحكي قصتها للأجيال الحالية والقادمة.