
الوطنية ممرٌّ إجباري إلى القومية
إن هذه التي سوف نعتبرها قاعدة تخصّ حالة البلدان العربية التي نسميها، عن قناعة، الوطن العربي الكبير، ونفتخر بموقعه الهامّ وبامتداده من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، ويضمّ مجموع الدول العربية التي تنتظم وتتكتل بشكل ومستوى معيّن تحت راية وقبّة منظمة الجامعة العربية.
وإننا نحن العرب نؤمن بأن شعوب ودول الوطن العربي تجمعهم رابطة قومية، ولديهم، أو هم مدعوون إلى، مشروع وحدة عربية. إننا نعتقد بأن الوحدة العربية هي أطروحة مشروعة، وقد تكون ضرورة أو خياراً عقلانياً ينبثق من جوهر نظريات المصالح في المرحلة المعاصرة للعالم، حيث تنساق جميع الشعوب والدول نحو الاستقطابات والتكتلات الجيوسياسية والاقتصادية، بل وحتى العسكرية، وإن العرب يمتلكون كامل مقوّمات الوحدة، مثل:
1- الرابطة القومية، حيث إن الغالبية العظمى لسكان الوطن العربي هم من أصول وعرق واحد.
2- وحدة اللغة، وهي من أبرز دواعي ودعائم اتحاد الشعوب، ويتبع ويردف ذلك ثقافة مشتركة ومتقاربة.
3- التاريخ المشترك والمتشابك، وذلك بشكل متسلسل منذ آلاف السنين، وعلى مسرح جغرافيا مترابطة.
4- المصالح المشتركة والإمكانيات والطاقات وعناصر النشاط والتقدم المتكاملة.
ونختصر ونجمل فنقول: القومية هي الشعور بالانتماء إلى رابط مشترك، والاعتقاد بأن أفضل خيارات التكيّف الجمعي والمصالح تتحقق بهذا الانتماء، وبالترابط والاستعداد للقيام بما يلزمه ذلك.
ولكن، يأتي السؤال: إذا كانت كل مقومات ودوافع الوحدة متوافرة، فلماذا لم تتحقق حتى الآن؟
الجواب: لأنه، عدا عن توفّر المقومات والرغبات، وعدا عن توقّع المصالح، فإن تحقيق الوحدة العربية يستلزم شروطاً وضرورات، ويستوجب وجود أسس ومنطلقات.
ولشرح وتفصيل ذلك نقول: إن الوحدة التي نتكلم عنها ليست تجمّعاً بشرياً باندماج ساذج أو تكتلاً غوغائياً، كما أننا لا نتحدث عن عشيرة أو بلدة، بل إننا نتحدث حول قارّة جغرافية يبلغ مساحتها 14 مليون كم²، وأكثر من 300 مليون نسمة، ولذلك فإن توحيد هذا الشعب بما يزخر به من المكونات والشرائح والطبقات، وضبطها ضمن هذه المساحات الهائلة، لن يتحقق بشعارات سطحية ونداءات عفوية، بل يحتاج الأمر إلى:
1- قرار سياسي من جميع الدول بتجديد ميثاق تأسيس الجامعة العربية وإعادة صياغة مبادئها وأهدافها، ثم تفعيل دورها بشكل أعمق.
2- تكليف نخب من المفكرين العرب بدراسات مستفيضة تأخذ بحسبانها تجارب الشعوب الأخرى، ثم إعداد التخطيط العلمي لرسم الخطوات المتوازنة نحو الشكل والنمط الأفضل من الوحدة.
3- التنسيق التام والمتوازي بين مجموع الدول لتطبيق برنامج يمهّد ويساعد، ومن ضمن ذلك تعديل وتقويم وتوجيه المناهج التربوية، والقيام بأنشطة مشتركة ومتبادلة لتعزيز التثقيف الوحدوي، مثل معسكرات شبابية وكشافة، وتكثيف البطولات والدورات الرياضية، إضافة إلى توظيف الإعلام ووسائط التواصل والمعرفة بشكل مدروس وممنهج للتقريب الثقافي ونشر الوعي بأهمية الوحدة وضرورتها.
4- إقامة مشاريع اقتصادية مشتركة وعابرة للدول، وبنية تحتية مترابطة، ودعم ذلك بقوانين تعتمد على التنسيق والتعاون البيني.
5- قيام الجامعة العربية بمبادرات نوعية تدعم صورة الاتحاد العربي، مثل إيجاد برلمان عربي حقيقي ومفعّل ومفوّض إلى حدّ ما، وتشكيل وفود سياسية باسم مجموع العرب، وخاصة للشؤون الشمولية والمصيرية.
وإن كل هذا التفصيل والتسلسل والتوازن لأننا ندرك أن وحدة الوطن العربي لن تكون مثل وحدة دويلة صغيرة أو تماسك مدينة، فهذه الولايات المتحدة الأمريكية هي أقوى دولة معاصرة، ولكنها أكثر من خمسين ولاية تخضع لنظام حكم فيدرالي.
وقد شهد العالم بأسره كيف أن الاتحاد السوفياتي السابق قد انتهى وتلاشى من الوجود خلال أيام، وذلك لعدم وجود أو اكتمال الشروط الصحيحة لاتحاد جمهورياته.
والآن، فإننا، تطبيقاً لكل ما أسلفنا من تصورات ورؤى لإقامة الوحدة، وكذلك من خلال جميع ما درسناه وشهدناه وما اطلعنا عليه من تجارب الشعوب بقديمها وحديثها، أصبحنا نعتقد أن القومية العربية ووحدة العرب، على أهميتها وضرورتها، أنه لا يمكن أن نصل إليها ونقيمها صحيحة وراسخة إلا بعد مرحلة تسبقها، وهي الوحدة الوطنية، ونقصد بها: وحدة وتماسك وقوة كل دولة عربية بذاتها وبشكل مستقل، مع اعتبار أن الوحدة العربية هي خيار استراتيجي.
وسوف ندرس ونسلّط الضوء على القطر السوري والحالة السورية نظراً لخصوصيتها بمعطياتها الحالية:
يجب إنجاز وإتمام الوحدة الوطنية والتماسك والتكامل والتكافل بين جميع مكونات الشعب السوري دون أي استثناء، وتحقيق التكافؤ بين جميع الشرائح والفئات، وإن هذا لن يتحقق إلا من خلال تحكيم الديمقراطية وتطبيق القانون وتحقيق العدالة التامة بشكل منطقي وعقلاني وعادل، يستبعد بواعث الحقد ويزيل مولّدات النزاع، كما ويتوجب اعتماد التكنوقراط والحوكمة والمؤسساتية، لأنها هي الطريق الوحيد نحو الاستقرار والتقدم والازدهار.
وبعد ذلك، إقامة العلاقات المتوازنة مع الدول العربية، وفتح الممرات والطرق التجارية، وتشجيع العلاقات والتبادل التجاري، وتكثيف الاستثمارات المشتركة مع العرب، وبعد استتباب الأمن واستيفاء النشاط والأريحية الاقتصادية، واستكمال السيادة والاستقلال في القرار، بعد ذلك يتم التوجه بعقلانية ونضج وإرادة نحو المبادرة أو المشاركة بالجهود الكفيلة بتحقيق الوحدة العربية، لأنها ضرورة استراتيجية وتاريخية وخيار لا بديل عنه للوصول إلى قوة الدول وحصانتها.