
المهاجر والحرية.. بين التجربة والوصاية
ثمة مفارقة لافتة في تجربة بعض المهاجرين إلى الغرب، إذ ينتقل الإنسان إلى مجتمع يصون حريته في التفكير والتعبير والاختيار، ويتمتع بمؤسساته وقوانينه التي تحمي حقوقه، لكنه يظل، في نظرته إلى مجتمعه الأصلي، أسير عقلية الوصاية. فيعود محمّلاً برغبة في تحديد ما ينبغي للآخرين أن يفكروا فيه، وكيف يجب أن يعيشوا، وما الذي يجوز لهم قوله أو فعله. وكأن الحرية التي اكتشفها هناك تحولت من مبدأ إنساني عام إلى امتياز شخصي يطالب به لنفسه، ثم يحاول حرمان الآخرين منه. الحرية التي لا تعترف بحرية الآخرين ليست حرية. إنها شكل آخر من أشكال الوصاية. أن تعيش في مجتمع حر لا يعني أنك أصبحت حراً. الهجرة بحد ذاتها لا تصنع إنساناً ديمقراطياً، كما أن الإقامة في بلد ديمقراطي لا تعني تلقائياً امتلاك ثقافة الديمقراطية.
الديمقراطية ليست جواز سفر ولا عنوان إقامة، وإنما ثقافة تبدأ من قبول حقيقة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه. ليس من حقك أن تمنع الآخر من أن يكون مختلفاً عنك. من حقك أن تختلف.. وليس من حقك أن تلغي. يمكن للمهاجر أن يكتشف أفكاراً جديدة في الغرب، وأن يغيّر قناعاته، وأن يرفض كثيراً مما كان يؤمن به سابقاً. وهذا جزء طبيعي من تطور الإنسان. لكن هناك فرقاً بين أن تقول: لقد تغيّرت، وهذه القيم التي أصبحت أؤمن بها. وبين أن تقول: لقد تغيّرت، ولذلك يجب أن يتغير الآخرون بالطريقة التي أريدها. الأولى حرية فكرية. أما الثانية فهي وصاية على أفكار الآخرين. فإذا كنت أطالب بحقي في أن أعيش وفق قناعتي، فعليّ أن أقبل حق غيري في أن يعيش وفق قناعته، ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين أو يخالف القانون.
هناك سوريون في أوروبا وأمريكا وكندا اكتسبوا خبرات مهمة في المجتمعات الديمقراطية، ومن حقهم، بل من المفيد أن يساهموا في بناء بلدهم. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول بعضهم من صاحب تجربة إلى وصي على المجتمع السوري. يقول للسوريين في الداخل: هذه هي الديمقراطية التي يجب أن تتبعوها، وهذا هو المجتمع الذي ينبغي أن تصبحوا عليه، وهذه هي القيم التي يجب أن تقبلوها. وقد يفعل ذلك بحسن نية. قد تدافع امرأة سورية مهاجرة عن حقها في اختيار لباسها وعملها وزواجها وطريقة حياتها، وهذا حق أصيل. لكن الاختبار الحقيقي لمفهومها للحرية يأتي عندما تواجه امرأة أخرى اختارت شيئاً مختلفاً تماماً. إذا كانت الأولى تقول: من حقي أن أختار، ثم تقول للثانية: لكن اختيارك خاطئ ويجب أن يتغير، فنحن أمام حرية انتقائية. الحرية لا تعني أن تختار للآخر، بل أن تحمي حقه في الاختيار.
مشكلة بعض المهاجرين في ممارسة الحرية بشكل انتقائي. قد تجد سوري يرفض تدخل الدولة في حياته الخاصة في الغرب، لكنه يريد دولة قوية تتدخل في حياة الآخرين في سوريا. يدافع عن حرية الصحافة عندما ينتقد الآخرين، لكنه يطالب بمنع الصحافة عندما تنتقد جماعته.
المهاجر السوري يستطيع أن يقدم الكثير. يمكنه أن ينقل خبرته في الإدارة، والتعليم، والاقتصاد، والعمل المؤسسي، واحترام القانون، والشفافية، والمساءلة، وثقافة المجتمع المدني. يمكنه أن يساهم في الاستثمار وإعادة الإعمار ونقل المعرفة وبناء المؤسسات. ويمكنه أن يكون صوتاً لسوريا في العالم، وجسراً بينها وبين المجتمعات التي يعيش فيها. لكن أفضل ما يمكن أن يفعله هو ألا يتعامل مع السوريين في الداخل باعتبارهم تلاميذ يحتاجون إلى دروس من الخارج. سوريا تحتاج إلى خبرات أبنائها في الداخل والخارج معاً، لا إلى صراع بين من بقي ومن هاجر. إذا أردنا الاستفادة من تجربة الغرب، فلا يكفي أن ننقل شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. ينبغي أن ننقل معها جوهرها، احترام الاختلاف، وسيادة القانون، والمساواة، وقبول التعدد، وعدم تحويل الدولة إلى أداة لفرض رؤية جماعة على بقية المجتمع. فليس من المنطقي أن نطالب في الغرب بحقوقنا كأفراد، ثم نعود إلى مجتمعاتنا الأصلية لنتعامل معها بمنطق الجماعات والوصاية والأكثرية والأقلية.
الحرية تبدأ عندما أتوقف عن الرغبة في السيطرة على الآخر. ربما يكون أصعب درس في الحرية هو هذا: أن تتقبل أن الآخر قد يستخدم حريته بطريقة لا تعجبك. يمكنك أن تنتقده. يمكنك أن تناقشه. يمكنك أن تحاول إقناعه. لكن لا يحق لك أن تمنعه لمجرد أنه اختار ما لا تختار أنت. وهنا تحديداً يظهر الفرق بين الإنسان الذي فهم الحرية والإنسان الذي اكتفى بالعيش في مجتمع حر. الأول يحمل الحرية معه أينما ذهب. أما الثاني، فيتركها عند حدود البلد الذي يعيش فيه. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ماذا تعلّم هذا الشخص من الغرب؟. هل تعلّم أن الحرية حق له وحده؟. أم تعلّم أن حريته لا تكتمل إلا عندما يعترف بحق الآخرين في الحرية أيضاً؟. فالديمقراطية ليست أن أمتلك الحق في أن أكون حراً، وإنما أن أقبل أن يكون الآخر حراً حتى عندما لا تعجبني حريته.