
العدالة السورية تدخل مرحلة التعاون الدولي.. ماذا يعني انخراط الآلية الأممية من دمشق؟
(لقاء رئيس الآلية الدولية المحايدة والمستقلة مع الشبكة السورية لحقوق الإنسان يفتح نافذة جديدة أمام التعاون في الأدلة والتحقيقات وحماية الشهود، بالتزامن مع انتقال العدالة الانتقالية من مرحلة التوثيق إلى المحاكمات داخل سوريا)
لم تعد العدالة الانتقالية في سوريا تُناقش فقط في المحافل الدولية أو في ملفات قضائية خارج البلاد. فمع بدء محاكمات وإصدار أحكام داخل دمشق، يتجه التعاون بين المؤسسات السورية والآليات الدولية إلى مرحلة أكثر عملية، عنوانها الأدلة، والتحقيقات، وحماية الشهود، وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، استقبلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في مكتبها بدمشق رئيس الآلية الدولية المحايدة والمستقلة بشأن سوريا، روبير بيتي، خلال زيارته الأخيرة إلى البلاد، في لقاء تناول التطورات القضائية ومسار العدالة الانتقالية وسبل تطوير التعاون بين الطرفين.
ويأتي اللقاء في وقت أعلنت فيه الآلية الأممية أنها تعمل على تعزيز انخراطها مع المؤسسات السورية، وتناقش مع السلطات إطاراً للتعاون يمكن أن يتضمن خطة عمل مشتركة ووجوداً ميدانياً لموظفين فنيين تابعين لها داخل سوريا. كما أعلنت أن دعمها يتركز خصوصاً على حفظ الأدلة وإدارتها، والتحقيقات الهيكلية، والتعاون القضائي، وحماية الشهود.
من التوثيق إلى بناء القضايا:
تكتسب العلاقة بين الشبكة السورية لحقوق الإنسان والآلية الدولية أهمية خاصة لأن الطرفين عملا لأكثر من عقد على جمع المعلومات المتعلقة بالانتهاكات في سوريا، وإن اختلفت طبيعة الولاية والأدوات.
وتقول الشبكة إنها ناقشت مع بيتي التطورات القضائية المرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، بما فيها القضايا التي صدرت فيها أحكام بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب، وما رافق بعضها من أحكام بالإعدام، إضافة إلى ضرورة الالتزام بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وضمانات الإجراءات القانونية، وحقوق الدفاع، وحماية الضحايا والشهود.
ولا تكمن أهمية هذه النقطة في الأحكام وحدها، وإنما في السؤال الذي بات يفرض نفسه على القضاء السوري: كيف يمكن تحويل الكم الكبير من المعلومات التي جُمعت خلال سنوات الحرب إلى أدلة قابلة للاستخدام أمام محاكم وطنية، من دون المساس بحقوق المتهمين أو سلامة الضحايا والشهود؟
وهذه مسألة تتجاوز مجرد توفير الوثائق. فالقضايا المتعلقة بالجرائم الدولية تتطلب بناء ملفات مترابطة، وإثبات الوقائع، وتحديد المسؤوليات الفردية، والحفاظ على سلسلة حيازة الأدلة، والتحقق من المواد الرقمية والشهادات، وربط الأدلة بعضها ببعض وفق معايير قضائية يمكن اختبارها أمام الدفاع والمحكمة.
الآلية الأممية تقترب من الداخل السوري:
زيارة روبير بيتي إلى سوريا لم تقتصر على لقاء الشبكة. فقد أعلنت الآلية الدولية في 2 أيلول/سبتمبر أنها عقدت اجتماعات مع وزير العدل مظهر الويس، ورئيس اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، ورئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي، ومسؤولين في وزارة الخارجية، إضافة إلى ممثلين عن منظمات المجتمع المدني السورية والأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية.
وتشير هذه اللقاءات إلى تغير مهم في طبيعة حضور الآلية داخل الملف السوري.
فالآلية، التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة لمساعدة التحقيقات والملاحقات المتعلقة بأخطر الجرائم المرتكبة في سوريا، راكمت خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في جمع المعلومات وحفظها وتحليلها ومشاركتها مع جهات قضائية دولية ووطنية.
وفي نيسان/أبريل 2026، أعلنت أنها نفذت أكثر من ألف عملية لمشاركة المعلومات والأدلة منذ بدء عملها، دعمت من خلالها 269 تحقيقاً وملاحقة قضائية في 16 ولاية قضائية خارج سوريا.
لكن المرحلة الجديدة تحمل سؤالاً مختلفاً: هل يمكن نقل جزء من هذه الخبرة إلى مؤسسات العدالة السورية الناشئة، من دون أن تتحول المساعدة الدولية إلى بديل عن القضاء الوطني؟
استقلال القضاء هو الاختبار الحقيقي:
التعاون الدولي لا يحسم وحده نجاح العدالة الانتقالية. فالمعيار الأهم يبقى قدرة المؤسسات القضائية السورية على العمل باستقلال، وضمان حقوق الدفاع، وفحص الأدلة بصورة مستقلة، وحماية الشهود والضحايا، وإتاحة الطعن في الأحكام.
ولهذا ركز لقاء الشبكة والآلية، بحسب بيان الشبكة، على المعايير الدولية للمحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في القضايا التي صدرت فيها أحكام بالإعدام. فكلما كانت العقوبة أشد، ازدادت أهمية ضمانات المحاكمة، ليس فقط لحماية حقوق المتهم، وإنما أيضاً لحماية شرعية الحكم نفسه وإمكانية صموده أمام المراجعة القضائية.
وفي المقابل، فإن حماية حقوق المتهمين لا تعني تجاهل حقوق الضحايا. فالعدالة الانتقالية مطالبة ببناء توازن صعب بين حق المجتمع في المساءلة، وحق الضحايا في الحقيقة والإنصاف، وحق المتهم في محاكمة عادلة.
الأدلة بين سوريا والخارج:
التعاون بين الآلية الأممية والمنظمات السورية يمكن أن يكون أكثر أهمية في هذه المرحلة بسبب وجود مسارين متوازيين للعدالة: مسار وطني داخل سوريا، ومسارات قضائية خارجها تعتمد على الولاية القضائية العالمية أو غيرها من الأسس القانونية.
وقد أكدت الآلية نفسها أن جهودها باتت تدخل مرحلة تتعايش فيها المسارات السورية الداخلية مع الإجراءات القضائية خارج البلاد، وأن هذا التعايش يخلق فرصاً جديدة للتعاون.
وهذا يعني أن المعلومات التي جُمعت في سوريا يمكن أن تصبح ذات قيمة في أكثر من مسار قضائي، لكن بشرط الحفاظ على سلامتها، واحترام قواعد السرية، وعدم تعريض الشهود أو الضحايا للخطر.
ومن هنا تأتي أهمية حماية الأدلة منذ لحظة جمعها، وليس بعد وصولها إلى المحكمة.
شراكة عمرها أكثر من عقد:
تقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إنها كانت من أوائل المنظمات الحقوقية التي وقعت مذكرة تفاهم ثنائية مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، وإن التعاون بينهما امتد لأكثر من عشر سنوات.
وأشارت الشبكة إلى أنها ناقشت مع وفد الآلية سبل تطوير هذا التعاون في القضايا ومسار العدالة الانتقالية داخل سوريا، بما يشمل التنسيق مع جهات متعددة في الحكومة السورية.
وفي ختام اللقاء، قدم المدير التنفيذي للشبكة فضل عبد الغني إلى بيتي وأعضاء الوفد نسخاً من كتابيه حول استقلال القضاء واستخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية، في إشارة إلى استمرار الاعتماد على أرشيف التوثيق السوري بوصفه أحد مصادر المعرفة المتعلقة بالجرائم المرتكبة خلال السنوات الماضية.
لكن القيمة الفعلية لهذه الشراكة لن تقاس بعدد الاجتماعات أو الوثائق المتبادلة، وإنما بقدرتها على تحسين جودة التحقيقات وحماية الأدلة وضمان حقوق الضحايا والمتهمين.
مرحلة جديدة لا تزال في بدايتها
ما يحدث الآن في دمشق يعكس تحولاً في موقع العدالة السورية داخل النظام الدولي للمساءلة. فبعد سنوات كانت خلالها الأدلة السورية تُستخدم أساساً في ملفات خارج البلاد، أصبحت المؤسسات الوطنية نفسها تدخل تدريجياً في علاقة مباشرة مع الآليات الدولية التي راكمت خبرة واسعة في التحقيق في الجرائم الدولية.
وتقول الآلية إن هدفها هو دعم جهود مساءلة سورية تتسم بالمصداقية والاستقلال وتضع الضحايا والناجين في مركزها، مع احترام سيادة القانون. كما أكدت أنها تسعى إلى بناء تعاون عملي مع السلطات السورية والمجتمع المدني.
لكن تحويل هذا التعاون إلى نتائج قضائية مستدامة سيبقى مرتبطاً بما هو أبعد من الدعم الفني: استقلال القضاء، وضوح الإطار القانوني، سلامة الأدلة، حماية الشهود، وشفافية الإجراءات.
وبينما تنتقل سوريا من مرحلة توثيق الجرائم إلى محاولة محاكمة مرتكبيها، يبدو أن الاختبار المقبل لن يكون في امتلاك المزيد من المعلومات، بل في قدرة المؤسسات السورية على تحويل هذه الذاكرة الموثقة إلى عدالة يمكن إثباتها، ومراجعتها، والدفاع عنها أمام القضاء، ويثق بها الضحايا والمجتمع في آن واحد.