الدولة والمجتمع والديمقراطية في فكر عزمي بشارة

0 67

تكتسب رؤية عزمي بشارة للدولة والمجتمع والديمقراطية أهمية خاصة عند التفكير في مستقبل سوريا، حيث لا تتمثل المشكلة في الانتقال من الاستبداد إلى الانتخابات فحسب، بل في إعادة بناء الدولة والجماعة السياسية على أساس المواطنة والمساواة. فالتعدد القومي والديني والمذهبي لا يصبح عائقاً أمام الديمقراطية إلا عندما يتحول إلى انقسامات سياسية مغلقة تتنافس على الدولة أو تتخوف منها. ومن هنا تتيح قراءة بشارة الانتقال من سؤال: من يملك الدولة؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف تصبح الدولة ملكاً لجميع مواطنيها؟

ينطلق الدكتور عزمي بشارة في فهمه للديمقراطية من رفض اختزالها في الانتخابات أو في مجرد تداول السلطة. فالديمقراطية الحديثة، بحسب تصوره، تقوم على عنصرين مترابطين: المشاركة الشعبية في صنع القرار من خلال الانتخابات الدورية والتداول السلمي للسلطة، وحماية الحقوق والحريات المدنية والسياسية، ويلتقي العنصران في مفهوم المواطنة الحديثة.

ومن هنا لا تبدو الديمقراطية لديه مجرد آلية إجرائية، بل نظاماً سياسياً يحتاج إلى دولة ومؤسسات ومواطنة وقواعد قانونية تنظم العلاقة بين الفرد والسلطة. وهذا ما يفسر الحضور المركزي لمسألة الدولة في مشروعه الفكري؛ إذ لا يمكن الحديث عن ديمقراطية مستقرة في غياب جماعة سياسية تقبل الاحتكام إلى الدولة ومؤسساتها. ويشير بشارة بوضوح إلى أن غياب الإجماع على الدولة، ولا سيما في المجتمعات التي تعاني انقسامات إثنية أو طائفية عميقة، يمكن أن يحول الانفتاح السياسي إلى صراع أهلي أو نزعات انفصالية بدل انتقال ديمقراطي

لكن أهمية الدولة عند بشارة لا تعني تبني مقولة «الدولة أولاً والديمقراطية لاحقاً». فمشروعه لا يساوي بين قوة الدولة وقوة السلطة الحاكمة، كما لا يرى أن إضعاف الدولة يقود تلقائياً إلى تقوية المجتمع. ويتضح ذلك منذ كتابه المبكر مساهمة في نقد المجتمع المدني، الذي تطور لاحقاً إلى المجتمع المدني: دراسة نقدية. ففيه يعيد بناء مفهوم المجتمع المدني تاريخياً بدل اختزاله في الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، ويربط نشوءه بتطور الدولة الحديثة والمواطنة. وقد أوضح بشارة منذ الطبعة الأولى أن هدفه هو تحويل مفهوم المجتمع المدني من «مقولة ساكنة» إلى مفهوم تاريخي متحرك يُفهم من خلال تطوره الفعلي.

ولهذا فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني ليست علاقة صفرية: كلما ضعفت الدولة لا يصبح المجتمع بالضرورة أكثر حرية أو مدنية. ففي المجتمعات التي تضعف فيها مؤسسات الدولة يمكن أن تعود الروابط الطائفية والعشائرية والإثنية لتكون المصدر الأساسي للحماية والانتماء السياسي. ولهذا ترتبط المواطنة عند بشارة بعملية الانتقال من تنظيم العلاقة بين الفرد والدولة بواسطة الانتماء الطائفي أو الجماعاتي إلى تنظيمها على أساس الحقوق المتساوية. وفي تحليله للحراك في لبنان والعراق، مثلاً، اعتبر أن رفض الطائفية السياسية والتأكيد على المواطنة والدولة الوطنية يمثلان عملية لإعادة صياغة الهوية الوطنية نفسها.

وهنا تتقاطع الديمقراطية مع مسألة الأمة والهوية. ففي كتاب في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، يضع بشارة الأمة والقومية والهوية والدولة والثقافة والديمقراطية والمواطنة داخل إشكالية واحدة، بدل التعامل مع الديمقراطية كموضوع منفصل عن تكوين الجماعة السياسية.

والمشكلة الأساسية هنا ليست وجود هويات متعددة، بل أن تتحول هذه الهويات إلى أساس حصري لتوزيع الحقوق والسلطة. فالديمقراطية تحتاج إلى «نحن» سياسية مشتركة، أي إلى مواطنين يقبلون القواعد والمؤسسات نفسها مع احتفاظهم باختلافاتهم الدينية أو القومية أو الثقافية.

أما فيما يتعلق بالعلاقة بين تطور البنى الاجتماعية والديمقراطية، فإن بشارة يرفض الحتمية الاجتماعية التي تفترض أن التنمية الاقتصادية أو نمو الطبقة الوسطى أو التعليم تؤدي تلقائياً إلى الديمقراطية. وهو لا ينكر أهمية هذه العوامل؛ بل يشير صراحة إلى أن التعليم والتنمية والمحددات الاجتماعية والاقتصادية تصبح عوامل مهمة في ترسيخ النظام الديمقراطي بعد الانتقال، ويرى أن التعليم يرتبط إحصائياً بالديمقراطية بدرجة مهمة.

لكنه يميز بين شروط نشوء الانتقال الديمقراطي وشروط استدامة الديمقراطية بعد قيامها. وهذه نقطة مركزية في فكره. فالمجتمع لا يحتاج، في نظره، إلى أن يصبح ديمقراطياً ثقافياً بصورة كاملة قبل بدء التحول. ويقول بوضوح إن ثقافة الشعب لا يمكن أن تصبح ديمقراطية في ظل الاستبداد؛ بل إن ثقافة الشعوب «تصبح ديمقراطية في ظل الديمقراطية وترسيخ مؤسساتها»، ولذلك فإن المطلوب في مرحلة الانتقال ليس وجود شعب مكتمل الثقافة الديمقراطية، بل وجود نخب فاعلة تمتلك ثقافة سياسية ديمقراطية وقادرة على التفاوض والتسوية.

وهذا يفسر اهتمامه الكبير بدور الفاعلين السياسيين. فالبنية الاجتماعية لا تحدد النتيجة السياسية بصورة آلية. وفي مقارنته لتجربتي تونس ومصر، لاحظ أن مؤشرات مثل التعليم وحجم الطبقة الوسطى والدخل لم تكن كافية لتفسير نجاح الانتقال في تونس وفشله في مصر؛ ولذلك أعطى وزناً أكبر لثقافة النخب، وقدرتها على المساومة والتوافق، وموقف الجيش، وطبيعة مؤسسات الدولة والعوامل الخارجية.

ومن ثم يمكن القول إن المشروع الديمقراطي عند بشارة لا ينتظر اكتمال تحديث المجتمع، كما لا يقوم مستقلاً عنه. فالعلاقة جدلية ومتبادلة: تطور التعليم والتمدن والطبقات الاجتماعية والمؤسسات يسهم في توفير بيئة أكثر ملاءمة للديمقراطية، لكن المؤسسات الديمقراطية نفسها تعيد تشكيل المجتمع والثقافة السياسية والمواطنة.

وتقود هذه القراءة إلى خلاصة أساسية: الديمقراطية عند عزمي بشارة ليست مرحلة تأتي بعد اكتمال بناء الدولة وحل مشكلة الهوية وتحديث المجتمع، بل جزء من العملية التاريخية نفسها التي يجري خلالها بناء الدولة الحديثة، وأمة المواطنين، والمجتمع المدني، والثقافة السياسية الديمقراطية. ولذلك لا يكفي صندوق الاقتراع، مثلما لا تكفي التنمية الاقتصادية أو الحداثة الاجتماعية وحدهما؛ المطلوب هو التقاء الدولة والمؤسسات والمواطنة والحقوق مع فاعلين سياسيين يقبلون الديمقراطية بوصفها قواعد مشتركة لإدارة الاختلاف والصراع على السلطة.

وعليه، فإن أهمية رؤية عزمي بشارة بالنسبة إلى سوريا تكمن في أنها لا تضع الدولة في مواجهة المجتمع، ولا الديمقراطية في مواجهة الاستقرار، ولا التنوع في مواجهة الوحدة. المطلوب هو بناء دولة المواطنين التي تحمي التعدد ولا تحوله إلى محاصصة، وتؤسس للديمقراطية بوصفها قواعد لإدارة الاختلاف لا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة. وفي الحالة السورية تحديداً، لا يكفي أن نكتب دستوراً ديمقراطياً أو نجري انتخابات؛ بل ينبغي أن تتشكل، بالتوازي، جماعة سياسية تشعر فيها المكونات كافة أن الدولة دولتهم، وأن حقوقهم لا تستمد من قوة جماعتهم، بل من المواطنة والقانون والمؤسسات الديمقراطية.

المراجع

  • عزمي بشارة، مساهمة في نقد المجتمع المدني، رام الله: معهد مواطن، 1996.
  • عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، مع إشارة للمجتمع المدني العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997 وما بعدها.
  • عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2007؛ ط2، 2010.
  • عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دروس نظرية من تجارب عربية، محاضرة في الكوليج دو فرانس، باريس، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني