الانتماء الوطني بين الهوية والمواطنة عند عزمي بشارة وبرهان غليون

0 18

حين يسكن الوطن فينا ولا تسكن الدولة فينا

قد يعيش السوري في بلده كما لو أنه يقيم في فندق: يسكن المكان من دون أن يشعر أنه بيته. وقد يراه سجناً كبيراً ينتظر باباً يُفتح كي يغادر إلى مكان يستطيع فيه أن يعيش بحرية وكرامة. وهناك من يحمل الوطن في داخله؛ يغادره جسداً، لكنه لا يغادر ذاكرته ولهجته وعائلته وتاريخه. لذلك قد يهاجر السوري لا لأنه فقد الوطن، بل لأنه فقد الدولة.

لفهم هذه المسافة، لا بد من التمييز بين الهوية والانتماء والمواطنة والدولة. الهوية تجيب عن سؤال: من أنا ومن نحن؟ والانتماء يحدد أين يجد الإنسان نفسه جزءاً من «نحن». أما المواطنة فتحوّل هذا الانتماء إلى عضوية سياسية في الدولة، بما تنطوي عليه من حقوق وواجبات وحماية ومشاركة. والدولة هي الإطار المؤسسي الذي يجعل هذه العضوية فعلية. لذلك قد تتوافر هوية وطنية مشتركة دون مواطنة راسخة، كما قد يحمل الإنسان جنسية الدولة دون أن يشعر بأنها دولته.

في «مسألة الدولة»، يربط عزمي بشارة بين السيادة والمواطنة، ويرى في المواطنة رابطة تجمع الحاكمين والمحكومين داخل كيان سياسي واحد. لكن سوريا تطرح سؤالاً مختلفاً: ما الذي يجعل المواطن السوري يرى الدولة إطاراً لانتمائه، لا مجرد سلطة قائمة فوقه؟

يمتد السؤال إلى أصل العلاقة بين الدولة والمجتمع. في «المحنة العربية: الدولة ضد الأمة»، يرد برهان غليون هذه القطيعة إلى الكيفية التي تشكلت بها الدولة التحديثية العربية ووظيفتها التاريخية. فقد تحولت من أداة للتحرر والحداثة إلى قوة تستوعب المجتمع وتخضعه، بدل أن تنظمه على قاعدة القانون والحرية والمواطنة. المشكلة لا تقتصر على نخبة استولت على دولة مكتملة، بل تكمن في بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع نفسها.

من هنا يمكن فهم هذه الدائرة في الحالة السورية. حين تتراجع الدولة عن توزيع الحماية والموارد والاعتراف على أساس المساواة، يبحث الفرد عن الأمن والتمثيل والاعتراف في روابط بديلة: إثنية أو طائفية أو عشائرية أو مناطقية. عندها لا تكون الهوية الفرعية سبب الانقسام وحده؛ فقد تصبح أيضاً نتيجة لاختلال علاقة الدولة بالمجتمع.

ينبغي الحذر من جعل التعدد السوري أصل المشكلة. فاختلاف الطوائف والإثنيات لا ينتج تلقائياً انقساماً سياسياً. المسألة تتعلق بكيفية تسييس هذه الاختلافات، وبما إذا كانت الدولة تحوّلها إلى مواطنة متساوية، أم تتركها للمنافسة على الحماية والموارد والتمثيل.

يكشف «المؤشر العربي»، الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في سوريا، مفارقة دالة: أفاد 70% من المستطلعين بأن الخطاب الطائفي منتشر أو منتشر إلى حد ما، بينما قال 66% إنهم لا يميزون في تعاملهم مع الآخرين على أساس الطائفة أو الدين. وتشير هذه المفارقة إلى أن انتشار الخطاب الطائفي لا يعني بالضرورة أن التمييز يحكم العلاقات الاجتماعية اليومية.

لذلك لا تكمن المسألة السورية في غياب الوطن من وجدان السوريين، بل في المسافة بين الوطن والدولة. بشارة يضع المواطنة في قلب العضوية السياسية، وغليون يضيء القطيعة بين الدولة والمجتمع. أما الحالة السورية فتطرح سؤالاً ثالثاً: كيف تُردم المسافة بين وطن يحمله الناس في ذاكرتهم، ودولة يريدون أن يروا أنفسهم مواطنين فيها؟

ردم هذه المسافة لا يعني محو الروابط التي ينتمي إليها الناس. فالقومية والإثنية والعشيرة والطائفة والمنطقة يمكن أن تجد لها مكاناً في المجال العام، ما دام القانون ينظم حضورها ولا يجعلها بديلاً عن الدولة. الخطر يبدأ حين تصبح هذه الروابط وسائل للحصول على الحماية أو الموارد أو الاعتراف.

حين تكون العشيرة أو الطائفة أو الإثنية طريقاً إلى الدولة، تكون الدولة قد فشلت في الوصول إلى المواطن مباشرة. المشكلة ليست في أن يكون للمواطن أكثر من انتماء؛ فهذا أمر طبيعي. المشكلة في أن يضطر إلى المرور عبر انتمائه الأهلي كي يحصل على حقه.

المطلوب دولة تجعل المواطنة ممارسة فعلية: مساواة أمام القانون، وحماية متساوية، واعتراف عام، وتمثيل مؤسسي يستوعب التعدد من دون أن يحول الروابط الأهلية إلى بدائل عن مؤسساتها.

الوطن قد يسكن فينا قبل أن تسكن الدولة فينا. لكن الدولة لا تصبح دولتنا حقاً إلا عندما تصبح المواطنة الطريق الطبيعي إلى الحقوق والاعتراف والحماية. حينها يستطيع المواطن أن يقول: هذه دولتي، وهذا وطني.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني