مباراة الوحدة والكرامة تضع الانقسام المناطقي في سوريا أمام اختبار جديد

0 18

أعادت الأحداث التي رافقت مباراة كرة السلة بين ناديي الوحدة الدمشقي والكرامة الحمصي فتح النقاش حول الانقسام المناطقي في سوريا وحدود تأثيره في العلاقات بين المواطنين. فالمشهد الذي يفترض أن يبقى في إطار المنافسة الرياضية أثار تساؤلات تتعلق بأسباب انتقال الحساسيات المحلية إلى الملاعب وبقدرة المؤسسات المعنية على منع تحولها إلى سلوك يهدد السلم الأهلي.

ولا تكمن أهمية هذه الواقعة في تفاصيل المباراة وحدها بل في دلالاتها الاجتماعية والسياسية. فالرياضة ليست معزولة عن محيطها بل تتأثر بالمناخ العام وبطبيعة الخطاب السائد في المجتمع. وعندما تصبح هوية النادي أو المدينة مدخلاً للتجريح والتحريض فإن المشكلة تتجاوز التشجيع الرياضي لتطرح أسئلة أوسع حول المواطنة والثقة المتبادلة ومستقبل العلاقة بين السوريين.

لكن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب الحذر من التعميم. فلا يجوز تحميل مدينة بأكملها مسؤولية تصرفات بعض أفرادها كما لا يصح اختزال الانقسام السوري في المنافسات الرياضية. المطلوب هو فهم العوامل التي تسمح بظهور هذه السلوكيات ومعالجتها من خلال سياسات تتجاوز ردود الفعل الآنية.

المواطنة في مواجهة الانقسام

تبدأ المعالجة من إرساء مفهوم المواطنة المتساوية بحيث لا تتحول المنطقة أو المدينة أو الخلفية الاجتماعية إلى معيار لتحديد مكانة الفرد أو فرصه أو حقوقه. وهذا يتطلب ضمان المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص وتوزيع الخدمات والتنمية بصورة عادلة بين المحافظات.

فالشعور بالتهميش أو غياب العدالة قد يضعف الثقة بالمؤسسات ويدفع بعض الأفراد إلى الاحتماء بانتماءاتهم المحلية. ولا يعني ذلك أن التفاوت وحده يفسر الانقسام المناطقي لكنه أحد العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند وضع أي برنامج وطني لمعالجته.

سياسياً يحتاج تجاوز هذه المشكلة إلى مؤسسات تتيح المشاركة العامة وتتعامل مع المواطنين على أساس الحقوق والواجبات بعيداً عن التمييز. كما يتطلب خطاباً وطنياً يعترف بتنوع المجتمع السوري ويمنع تحويل الاختلافات المحلية إلى أدوات للاستقطاب أو الإقصاء.

واجتماعياً تبرز أهمية تعزيز التواصل بين أبناء المحافظات من خلال الأنشطة التعليمية والثقافية والرياضية المشتركة. فالتواصل المباشر يساعد على تصحيح الصور النمطية ويحد من تأثير الشائعات والأحكام المسبقة التي تتغذى عليها النزعات المناطقية.

الدولة مطالبة بتجاوز المعالجة الأمنية

تقع على مؤسسات الدولة مسؤولية مباشرة في منع تحول الانتماءات المحلية إلى مصدر للعنف أو التمييز. ويبدأ ذلك بتطبيق القانون على الجميع ومحاسبة من يثبت تورطهم في الاعتداء أو التحريض على الكراهية وفق إجراءات واضحة وعادلة. فغياب المساءلة أو تطبيقها بصورة انتقائية قد يعمق الشعور بالظلم ويضعف الثقة بالمؤسسات.

ولا تقتصر المسؤولية على الأجهزة المعنية بحفظ النظام. فالمؤسسات التعليمية مطالبة بإدراج قيم المواطنة واحترام الاختلاف في برامجها وأنشطتها فيما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية التحقق من المعلومات وتجنب الخطاب الذي يضع المدن والمجتمعات في مواجهة بعضها بعضاً.

أما المؤسسات الرياضية والاتحادات والأندية فعليها وضع قواعد واضحة لضبط سلوك الجماهير والتعامل مع التجاوزات بصورة مهنية ومتساوية. ويمكن لهذه المؤسسات أن تؤدي دوراً إيجابياً من خلال حملات مشتركة تجمع الأندية والجماهير وتعيد التأكيد على أن المنافسة الرياضية لا تبرر الإساءة إلى الآخرين أو استهدافهم على أساس مناطقهم.

من معالجة الحوادث إلى معالجة الأسباب

إن احتواء التوتر بعد كل مباراة لا يكفي ما لم يتحول إلى جزء من خطة أوسع لمعالجة الانقسام. فالمطلوب هو الجمع بين سيادة القانون والعدالة الاجتماعية والتربية المدنية والإعلام المسؤول وتوسيع فرص المشاركة والعمل أمام الشباب في مختلف المناطق.

كما أن المصالحة المجتمعية لا تتحقق بتجاهل الخلافات أو مطالبة الناس بنسيان تجاربهم بل بمعالجة المظالم وضمان الحقوق وفتح المجال أمام الحوار. فالثقة لا تُبنى بالشعارات وإنما من خلال ممارسات ملموسة يشعر المواطن معها بأن الدولة تحميه على قدم المساواة مع غيره.

لقد وضعت مباراة الوحدة والكرامة قضية الانقسام المناطقي أمام اختبار يتجاوز حدود الرياضة. والتحدي الحقيقي هو أن تتحول هذه الوقائع إلى فرصة لمراجعة السياسات والخطابات التي تغذي الانقسام بدلاً من الاكتفاء بإدانة ما يظهر منه. فالمعيار الأساسي لنجاح أي مشروع وطني ليس مجرد الدعوة إلى الوحدة بل القدرة على ترسيخ المواطنة المتساوية وضمان العدالة وبناء مؤسسات تحظى بثقة السوريين جميعاً.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني