
صالة الفيحاء.. الطوشة والدرس
لا يعرف معظم السوريين نتيجة مباراة كرة السلة التي حصلت في دمشق يوم 20 تشـرين الأول، ولم يكتب أحد في أداء اللاعبين والمهارات الاستثنائية والقدرات، وشخصياً لا أعرف إذا كانت قد حصلت بالفعل أم لتحصل، وكل ما عرفناه أو تابعناه أو بحثنا عنه هو الطوشة.
وهذه الطوشة هي بالضبط ما يجب أن نقرأه بعمق فهي تدق بالفعل ناقوس الخطر، وتكشف لنا خطورة ثقافة الاصطفاف والأسر في الماضي وتبادل الأحقاد.
ولا أحتاج من يذكرني برمزية الساروت، فمنذ استشهاده قبل خمس سنوات اختارت أسرة الساروت صوت ابنتي حنان حبش تغني لأم الساروت أغنية (يا يما) وعلى الأغنية تسيل مدامع السوريين بين صوت عبد الباسط وصوت حنان ووجه أم الساروت.
ولا شك أننا ندين بشدة وقاحة لعن الشهداء، ونعتبره عملاً غير أخلاقي وغير إنساني أيضاً، وبالطبع فكل من ارتكب شتم الساروت فقد كان يشتم ثورة كاملة.
ولكن يجب أن نتساءل ما الذي يدفع السوريين لهذا الاصطفاف المرعب، الذي يرتب أجواء الموقد من حطب وبنزين وفحم بحيث لا يحتاج إلا إلى عود كبريت لتشتعل نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة؟.
بدأت القصة عندما انطلقت صيحات مفاجأة من جناح الكرامة ضد اللاعب أحمد السومة، شبيح اطلع بره، شبيح اطلع بره، وخلال ثوان قليلة، تبادل الطرفان الهياج والانفعال والغضب والأدرينالين وتبادلت المدرجات التحدي والتشاتم وبدا تماماً أننا على أبواب داحس والغبراء، وتنادى الثائرون يا لثارات العرب.. والموت ولا المذلة، ولبيك يا شهيد..
بالنسبة لي المشهد حصاد ثقافة انفعالية راجت بعد الثورة تحت شعار لا نصر بلا ثأر، ولن نرحم ولن نغفر، والحمد لله الذي أعزنا وأذلكم، وهو بالطبع عكس ما أعلنته قيادة الثورة من نصر بلا ثأر، ونتسامح ولا ننسى، وننظر في المستقبل ونغفر الماضي، واذهبوا فأنتم الطلقاء.
لا أستطيع أن أوزع شهادات الثورة بين الساروت والسومة، فكلاهما من وجهة نظري مبدعان، ولا شك أن الساروت أكثر ثورية وتضحية وفداء، ولكن ذلك لا يتيح للثوار أن يمارسوا إهانة الناس وتدمير السلم الأهلي، وتهديد الناس بالخطر على حياتهم، خاصة أننا في أجواء رياضة أنيقة يفترض أنها تحمل أخلاق الرياضة في العفو الغفران، خاصة بين فريقين عريقين ظهر فيهما كثير من الثوار والأحرار.
لقد انجلت الأيام الأولى للتحرير عن تصاعد الخطاب الطائفي بشكل خطير، ولكن يمكنني أن أقول كمراقب بعد الكوارث إن الخطاب الطائفي ينحسـر نسبياً على الأقل على مستوى النخب التي باتت تدرك أن خطاب الطائفية سيحرقنا جميعاً، ولن تجد اليوم خطاباً طائفياً يحظى باحترام العقلاء والمثقفين، وهذه بادرة إيجابية، مع الاعتراف بأن الخطاب الطائفي لا زال يغلي تحت الرماد وهو بحاجة إلى متابعة يومية مستمرة.
نعم إن القسمة إلى أديان أو طوائف أو مذاهب أو مناطق باتت منبوذة على مستوى النخب، ولكن يجب التنبيه إلى الانقسام الأخطر الذي لا زال مشتعلاً بشكل خطير، تتشارك فيه الدولة والناس، وهي قسمة الناس إلى ثوار وفلول!
وليس لدي أدنى اعتراض على ما تقوم به الدولة من مطاردة الفلول المسلحين الذين يهاجمون عناصر الأمن العام، ويرتكبون الجرائم فهؤلاء عدو لكل سوريا ولا يتعاطف معهم أحد.
ولكن الواقع ليس كذلك، حيث تتولى مواقع الفيسبوك تصنيف الناس إلى ثوار وفلول، بشكل خطير جداً على الدولة والناس والسلم والأهلي، ويتم تصنيف كل سوري لم يكن في خنادق القتال على أنه فلول، وكل سوري خدم في الدولة السابقة موظفاً أو فناناً أو رياضياً أو أكاديمياً على أنه فلول!
لقد وفر فيسبوك أرشيفاً كاملاً للناس يحصي عليهم حركاتهم وسكناتهم وهمساتهم على شكل رقيب عتيد، وهو يسمح للناس أن يشنشلوا عرض كل أحد كان يعيش في سوريا خلال حكم النظام البائد، على الرغم من معرفتنا الأكيدة بأساليب النظام البائد وظلمه واستبداده ومتابعة الناس على الهمسة والكلمة والخاطر.
نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نطفئ هذه الأحقاد لا أن نرعاها ونغضب لها، نحتاج إلى ثقافة المحبة والإعذار، وطي الماضي وتقديس المستقبل.
كيف يمكن لمجتمع مستقر أن يذهب إلى البناء والتنمية والناس مسكونة بالماضي بسرديات الحقد والثأر، حتى نجوم الرياضة لا يأمنون دخول ملاعبهم، ونجوم الدين لا يأمنون دخول مساجدهم، ونجوم الاقتصاد لا يأمنون دخول أسواقهم، وفي أي لحظة يمكن أن يندفع الهياج بصرخات خطيرة ومرعبة شبيح اطلع بره.. شبيح اطلع بره!!!
إن تعميم مصطلح الفلول على كل من لم يشارك في الثورة المسلحة، أو رفع في مكتبه صورة للنظام البائد، هو أمر خطير بالفعل وهو أبشع أشكال الانقسام المجتمعي، وهو سلوك مدمر لمستقبل التنمية في سوريا، وبدلاً من أن يكون الجدل حول برامج التنمية الجديدة، ومشاريع بناء المدمر من المدن، وإيواء الذين لا زالوا في الخيام، وتوفير المدارس لجيل كامل حرم من التعليم.. بدلاً من ذلك كله فإننا نشتغل ونشتعل بالثورة على تخوم الأفواه، ورصد ما يصدر من حرف وكلمة، وتصميم وجوه الناس بالمخطط لكل الذين لم يشاركونا دبكة الثورة!
أيها السوريون.. أحبوا بعضكم، واعذروا بعضكم، ولا تلعنوا أحداً، فاللعن لا يبني وطناً، وكفوا عن أغاني الهياج والثأر والانتقام، فلقد انتصـرت الثورة منذ سنتين، وقامت الدولة، وحان وقت طي الماضي والنظر إلى المستقبل.