
حاجز.. توقّفت الحافلة، وصعد رجل أمن. سحنة سمراء، وعينان سوداوان، وجبين مقطّب. نظرات حادة، وشاربان كثّان يعلوان شفتين رماديتين غليظتين. لم يكترث للأسماء، كان يدقق بالملامح ويقارنها بصورة لديه. أعطيته البطاقة الشخصية، أخذها.. وتأمل فيها.. احمل أمتعتك وتعال معي.
اقتادني إلى ضابط في خيمة. سيدي: إني أشتبه به وخرج.
أمرني بالاقتراب.. اجلس، وأخرج ملفاً.. توجّست.. تفحّصه.. وضع بطاقتي لصق صورة فيه..
– ماذا تعمل؟
– طالب في كلية الحقوق
كتب جملاّ.. ونادى جندياً، رحّلوه مقيداً إلى المركز.
وضعوا عصابة على عيني، وراحت السيارة تقطع المسافات. خمّنتها تتجه نحو العاصمة، أنزلوني منها، تعثرت بحجارة ثمّ شعرت أني أدوس عشباّ.. عند المدخل: من هذا؟ مطلوب من زمان. تحرك شيء ما في الهواء.. وصفعة صاروخية فجّرت أذني.. كدت أسقط.. وتمالكت، سائل دافئ تسرّب منها على الرقبة. يد دفعتني خطوات.. ارتطمت بحائط وتدحرجت على بضع درجات. أمسك بي.. ونزلنا درجاً يقود إلى قبو. فتح باباً، ورفع العصابة.. وركلني فاصطدمت بالجدار وصكّه بمفتاح.
بقيت متألماً ومتوجساً ساعات كثيرة حتى استدعيت إلى مكتب التحقيق. مررت بمشاهد جهنم. شباب عراة معلقون من أيديهم.. أرجلهم أوشكت أن تمسً الأرض، ورؤوسهم تتدلى..، وآثار السياط شكّلت أخاديد ينزّ منها الدم والقيح، وآخرون شبه موتى ممددون على البلاط. جلود متسخّمة تستر عظاماّ ناتئة، وأدوات التعذيب مبعثرة.. أثارت الرعب في نفسي.
أدخلني على محقق لا رتب على كتفيه، طويل القامة، عريض المنكبين يتقطّر اللؤم من لسانه، يا بن الـ.. وهازئاً: أهلاً وسهلاً، منذ عشرين سنة نبحث عنك. مللنا ونحن ننتظر هذه الزيارة السعيدة، لقد رأيت بعضهم أليس كذلك؟ إذا ما كذبت ستكون معهم، تكلّم بصراحة، وقبل أن أجيب، نسيت أن أخبرك: لدينا وسائل لا تحلم بمشاهدتها في أفلام الرعب، أنصحك أن تصدقنا فتريح نفسك وتريحنا، هيّا قل ما عندك..
بلعت ريقي. انتزعت الكلمات انتزاعاً. لا أعرف ما تريد، ولا عمّا أتكلّم. تقول إنكم تبحثون عني منذ أكثر من تسعة عشر عاماً، أستميحكم عذراً هل أنا مذنب منذ الولادة؟
– أتسخر منّا يا..؟ وتلقيت لكمة خلخلت فكيّ، وركلة في الخاصرة
– معاذ..، إنّما لألفت نظر سيادتكم حينها كنت احتاج حفّاظة..
وبعصا نغزني بقوة في المعدة.. انظر إلى هاتين الصورتين، وعرضهما أمامي على شاشة معلقة على الجدار، كادتا تتطابقان. ألست هو؟
– يا سيدي، يُخلق من الشبه أربعون، هذا الرجل لا أعرفه..
– أتريد أن تقنعني، وهوت قبضته كمطرقة على حنكي بصقت إثرها سناً.. أمامي
– أستحلفك بالحليب الذي رضعته..، ألا يختلف لون العينين، وحجم الأنف قليلاً؟
– لا أرى ذلك..
– أرجوكم التدقيق بكل التفاصيل
– إنهما متطابقتان
– عفواً..، عندي سؤال..
– ما هو يا..؟
– هل تتفضلون عليّ بمراجعة المعلومات؟
– أيّها..؟
– الاسم.. الأب.. الأم.. مكان وتاريخ الميلاد، إنها بين يديك
– أتجادلني؟ وتفّ عليّ
– حلمك.. الرحمة، ما طلبت أمرأً صعباً..
أعادها وهو يكزّ على أسنانه ونظراته سهام تخترقني.. عصام سليمان المحمود.. حسْنَة.. تولد 1979.. شهقت.. وضعت يديّ على رأسي ربّاااه!! صعدت حارة وترددت في أرجاء الغرفة. صرخ.. ما بك..؟
– أنا عصام سلمان الحمود.. والدتي سعدى.. مواليد 1997، وكررتها ثلاثاً، ولم أقابل هذا الشخص الي تطلبونه قطّ.
بُهت.. تراخى على الكرسي، وراح يراجعها متمهّلاً. حدّق بالسقف يتأمل فيه ثم أنعم النظر بي. تمتم.. شيء لا يصدّق، وضغط على جرس فأقبل مَن جلبني إليه. أعده.. ولا تلمسوه حتى آذن آمركم. طمأنتني عبارته..
أقفل الزنزانة..، وكجرذ يترقّب.. انحشرت في الزاوية أتحسّس الدم الجامد..، وفراغاً في فمي..