قصيدتان للشاعرة أليس الركاب

0 16

أنا والهاوية

لن يكفيكَ الموتُ كي تنجو،

فالموتُ أرحمُ منكَ حين تكونُ

قد اعتدتَ الحياةَ وهي تذبحُكَ ببطء.

كلُّ ما فيكَ يعرفُ كيف يهرب

إلّا أنتَ تمسكُ بالهاويةِ من عنقها وتنامُ في قاعها كأنّ السقوطَ وطن.

تخرجُ من الحطامِ كلَّ صباح لأنّ الخرابَ

لم يجدْ فيكَ موضعاً جديداً ليهدمه.

تُهدّدُ أعداءكَ بالأنقاض ولا يعلمون

أنّكَ لا ترميهم بالحجارة

بل ترميهم بما تبقّى من قلبكَ.

تتوعدهم بالجحيم وكيفَ لا؟

وأنتَ الذي عشتَ فيه حتى حفظتَ أسماءَ شياطينه

واحداً واحداً ٬ في النهار

تبتسمُ للمارّة

كأنّ وجهكَ لم يكن يوماً

مقبرة لألفِ صرخة وفي الليل

تخلعُ عنك ضجيجك وتجلسُ أمام المرآة

لتسألَ الرجلَ الذي فيها

مَن قتلك؟ فيصمت

لأنّه يعرفُ الحقيقة لم يقتلكَ عدوٌّ،

ولا طعنةٌ في الظهر، ولا غيابُ الذين أحببتهم

قتلتكَ تلكَ المرّةُ التي خذلتَ فيها نفسَكَ كي لا تخسرَ أحداً

قتلتكَ كلُّ الأبواب التي طرقتها بقلب كامل

ففتحتْ لكَ نصفَها،

وكلُّ الأيدي التي أمسكتَ بها

فتركتْكَ حينَ عبرتَ بها النار

حتى ذاكرتُكَ

لم تعدْ ذاكرة صارتْ سجناً

يحفظُ أسماءَ الذين نجو منك

ولا يحفظُ اسمَكَ.

وكلّما حاولتَ أن تنسى، استيقظَ في داخلكَ

ذلك الطفلُ الذي كنتَه،

وأمسكَ بثوبِكَ وقال

لا تتركني هنا فقد تركنا الجميع.

لهذا لم تكنْ غارقاً في البحر،

كنتَ البحرَ نفسَه عميقاً بما يكفي

كي لا يصلَ أحدٌ إلى قاعكَ،

ومالحاً بما يكفي

كي لا يقتربَ منك أحدٌ دون أن تدمعَ عيناه.

كلُّ شيءٍ فيكَ تعلّمَ كيف يطفو.

إلّا قلبُكَ.

فقد اختارَ القاع،

لا لأنّه عاجزٌ عن النجاة،

بل لأنّه أدركَ أخيراً

أنّ بعضَ الغرقِ أكثرُ كرامة

من أن تمدَّ يدكَ لمن كانَ يدفعُكَ إلى الأسفل وهكذا بقيتَ

لا حيّاً بما يكفي لتبدأ،

ولا ميتاً بما يكفي لتنتهي،

بل شاهداً وحيداً

على جريمةٍ لم يرتكبها أحدٌ سواكَ

أنّكَ رأيتَ نفسك تتكسّر،

وكان بإمكانكَ إنقاذُها لكنّكَ كنتَ مشغولاً بإنقاذِ الجميع.

أنا يا الله

من سوريا وأنت أرحم الراحمين،

أنا يا ربُّ حفنةُ غبارٍ

ذرّتها حربٌ طويلة

ثم أعادتها إليك الريح

أنا من بلادٍ

إذا بكى فيها طفلٌ

ارتجفَ جبل،

وإذا ضحكت أمٌّ

خافت أن تُسمَع ضحكتها فيُحسَد الضوء.

أنا من مدينةٍ

مرَّ عليها الأنبياء تعباًً،

واستراحوا على حجارتها،

لكنها بقيت تبحث عن معجزةٍ

تُرمِّم بها نوافذها المكسورة.

أرسلتني أمّي إلى هذه الحياة

وفي عينيها صلاةٌ طويلة،

قالت : يا ربّ، سلّمته لك

فالدنيا ضاقت بنا

إلا من بابك.

وما زلتُ أسافر إليك

منذ أربعة وعشرين زلّة،

ومنذ أول كذبةٍ قلتُها خوفاً

ومنذ أول حلمٍ خبأتُه

كي لا تقتله السماء قبل أن يكبر.

عبرتُ إليك شوارعَ مهدومة،

ومررتُ على وجوهٍ

نسيَت شكلها في المرايا،

وطرقتُ أبواباً كثيرة

فلم يُفتح لي إلا وجعي.

يا الله،

أنا من بلدة الخبز القاسي

والقلب الطري،

من ماءٍ إذا انقطع

بقيت الدعوات تجري مكانه.

جسدي مثقوبٌ بالأسئلة،

وروحي تلبس سوادها

حداداً على ما كان يمكن أن يكون.

أنا مذنبٌ

لأني أحببت الحياة رغم كل شيء،

لأني حلمتُ بوطنٍ

لا يعلّق أسماء شهدائه

على الجدران كل صباح،

لأني ظننتُ أن الرحمة

أوسع من الخرائط.

جائعٌ يا رب

ليس للخبز فقط،

بل لطمأنينةٍ

أضعها تحت وسادتي

ولا أخاف أن تُسرق.

أطرافي أكلها التعب،

وصوتي بحَّ من النداء،

فليس لي يدٌ أمدّها إليك،

لكنَّ كلَّ قلبي كفٌّ مرفوعة.

أنا يا الله

من الجزيرة التي لم تغرق

لكنها غرقت في نفسها،

أحمل إليك رسائل البسطاء

مغلّفةً بأنفاسهم،

رسائل لا تقول شيئاً

سوى كن لنا ولو مرةً

كما كُنتَ للأنبياء.

وها أنا أقف بين يديك

عارياً

إلا من الرجاء.

أليس ركاب.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني