
من فضيحة البنزين الأحمر إلى بنزين أوكتان 97 في المحطات
وقود السوريين من فضيحة إلى فضيحة ومحركاتهم من ورشة إصلاح إلى ورشة.. والرقابة نائمة
عانى أصحاب السيارات في سوريا خلال الأسبوع الماضي من انتشار بنزين ذي لون أحمر تم بيعه في عدد كبير من محطات الوقود في أغلب المحافظات، وسط اتهامات بأنه يحتوي على مواد شحمية عالية اللزوجة تتسبب بأضرار جسيمة لا تقتصر على مضخة الوقود، بل تمتد إلى أجزاء رئيسية من المحرك.. وترافقت هذه الشكاوى مع انتشار مئات المقاطع المصورة لسائقين وثقوا تفريغ خزانات سياراتهم وإظهار لون المادة الموجودة فيها، إضافة إلى مقاطع من ورش صيانة تحدثت عن تزايد أكبير في أعداد السيارات المتضررة عقب التزود بهذا الوقود.
ورغم حجم الجدل والكم الكبير من المقاطع المتداولة، أصرت الشركة السورية للمشتقات النفطية (سادكوب) على نفي مسؤوليتها عن المادة الحمراء المتداولة، مؤكدة أنها لا تعود إليها، وذلك على الرغم من كونها الجهة المخولة بتخزين وتوزيع المشتقات النفطية في سوريا.
ولم تنتهِ المشكلة هنا، فلمحاولة احتواء الجدل الذي أثارته فضيحة البنزين الأحمر، انتشرت خلال اليومين الماضيين مقاطع مصورة لفحوص أُجريت في محطات وقود بعدة محافظات، حيث جرى وضع عينات من البنزين في عبوات شفافة للتأكد من نقاء اللون، قبل إخضاعها لفحوص إلكترونية لقياس رقم الأوكتان، وقد أظهرت معظم الاختبارات قراءات بلغت 97 أوكتان، رغم أن البنزين المطروح محلياً والمعلن عنه رسمياً هو من فئة 90 أوكتان، ما أثار تساؤلات حول أسباب هذه النتائج المتكررة.. فلماذا يقرأ جهاز الفحص درجة أوكتان تبلغ 97 في كل مرة؟
يعزو أحد الكيميائيين هذه القراءات المرتفعة إلى احتمال خلط الوقود بمواد محسنة رخيصة أو مذيبات كيميائية منخفضة الكلفة، مثل بعض أنواع الكحوليات أو المذيبات الصناعية، لزيادة كميته، وهي مواد تمتلك خصائص كهربائية قد تؤثر في آلية عمل أجهزة القياس، فتمنح قراءات أعلى من القيمة الفعلية للأوكتان.
وتتوافق هذه الملاحظات مع ما يرد في دليل الاستخدام الخاص بجهاز Oktis-2 المستخدم في العديد من المقاطع المتداولة، والذي يشير إلى أن وجود مواد غريبة أو شوائب ومركبات غير مخصصة للوقود قد يؤدي إلى قراءات مرتفعة ومضللة.. كما يوضح أن الجهاز مُعاير أساساً لقياس خصائص البنزين النقي، وأن بعض المذيبات والكحوليات قد تؤثر في نتائج القياس بسبب خصائصها الكهربائية المختلفة.
وبحسب مختصين، فإن البنزين الأصفر الذي تم خلطه بمذيبات كحولية رخيصة لزيادة كميته قد يبدو نقياً من حيث اللون ولا يؤدي بالضرورة إلى الأضرار المباشرة نفسها التي نُسبت إلى البنزين الأحمر، إلا أن خلطه بمواد أخرى قد ينعكس على أداء المركبة من خلال ضعف العزم والتسارع، وصعوبة التشغيل، وزيادة الاستهلاك، فضلاً عن احتمال تسريع تلف بعض مكونات منظومة الوقود وصولاً إلى تضرر المحرك مع مرور الوقت.
وفي ضوء ما سبق، يمكن الاستنتاج أن محاولة التغطية على فضيحة البنزين الأحمر عبر مقاطع مصورة هدفت إلى إظهار البنزين الموزع من قبل شركة (سادكوب) على أنه نقي وسليم، قادت إلى إثارة فضيحة جديدة.. فهذه المادة التي تبدو سليمة ظاهرياً أعادت، من خلال نتائج الفحوص المثيرة للجدل وما رافقها من تفسيرات فنية، طرح تساؤلات جدية حول طبيعة الوقود المطروح في الأسواق وآليات الرقابة عليه.
فهل وقعت شركة (سادكوب) ضحية لصفقات شراء بنزين مغشوش، رغم امتلاكها مختبرات فحص وتحليل قادرة نظرياً على كشف هذه المواد بسهولة؟ أم أنها شريك فيما يجري، ومستفيدة من الأرباح المتأتية من بيع تلك المنتجات؟
وفي جميع الأحوال، يبقى السوريون بحاجة إلى إجابات واضحة وشفافة، سواء بشأن الجهة المسؤولة عن إدخال وتوزيع البنزين الأحمر، أم بشأن النتائج المثيرة للجدل التي تظهرها أجهزة فحص البنزين عند اختبار المادة الصفراء التي يُفترض أنها مطابقة للمواصفات.