
تعديل القوانين الجائرة وإنصاف الضحايا والمتضررين
إن غاية أي قانون أو دستور أو عرف هي تحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع، وكذلك تنظيم العلاقات بينهم للحفاظ على الحقوق والمصالح المختلفة لجميع الفئات. وكذلك كان الحال في الكثير من الحضارات السابقة التي سعت إلى تحقيق العدالة والاستقرار في تلك المجتمعات، وإن اختلفت فلسفة التشريع من عصر إلى عصر، فما كان من قواعد العدالة في حضارات بلاد الرافدين قد يكون انتهاكاً صارخاً في عصرنا الحالي.
والشرائع السماوية حثّت على حماية الحقوق، وخاصة الحق في الحياة والحق في التملّك والحق في الحرية، ضمن ضوابط وقواعد شرعية، ونظمت الشريعة الإسلامية هذه المسائل بدقة متناهية وضمن أحكام مفصلة وفق مصادر الشريعة الإسلامية الأساسية من قرآن كريم وسنة نبوية شريفة والإجماع والقياس والعرف.
في بداية تأسيس الدولة السورية ووجود الانتداب الفرنسي، عرفت سوريا التنظيم والاستقرار في المعاملات والملكيات، رغم الثورات التي اندلعت بسبب الوجود الفرنسي.
وإبان الحكم الوطني بعد جلاء الفرنسيين، تحقق استقرار قانوني مجتمعي ملفت، انعكس ذلك على حالة الازدهار الزراعي والتجاري والاقتصادي والتعليمي، وبدأ أن سوريا باتت في مصاف الدول المتقدمة، إلا أن الحال لم يدم طويلاً، فما إن توحدت سوريا مع مصر في العام 1958، وبقيادة جمال عبد الناصر، حتى بدأ عصر الظلام بالنسبة للسوريين، وبدأت القوانين تصدر بحجة القضاء على الإقطاع والرأسمالية، والهدف والغاية كانت القضاء على الطبقة المستنيرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وحتى على مستوى التعليم، فما كان سابقاً من المحرّمات أصبح من الواجب على الدولة استباحته بحجة النفع العام تارة، وتارة أخرى بحجة القضاء على الإقطاع والرأسمالية، أذناب الاستعمار والرجعية، حسب توصيفهم.
في تلك المرحلة تم إصدار قوانين الإصلاح الزراعي، وتطاولت على الملكيات، وقضت على عوائل عريقة، ومعها اختفت وتراجعت الملكيات الخاصة الكبيرة التي كانت تساهم في تطوير سوريا، ورسّخت حالة من الصراع الطبقي، مستغلة الظلم الواقع على الفلاحين في بعض مناطق سوريا لتأليب فئة على أخرى، ولم يكتفِ البعث بعد ذلك، بل تم إصدار الكثير من المراسيم والقوانين، وخاصة في زمن الأسدين، حيث عانى الشعب السوري من حالة عدم الاستقرار القانوني، وإن كان ذلك مغلفاً بحالة من الاستقرار الكاذب، فُرضت بأدوات وأجهزة قمعية سيئة الصيت.
أصدر النظام البائد الكثير من القوانين والمشاريع المجحفة بحق المواطنين، وأبقى على قوانين ومراسيم سابقة لعهده، وعدّل قوانين أخرى، وما زال المواطنون يعانون من الآثار السلبية الناتجة عن تلك المراسيم والقوانين، وحتى القرارات والتعاميم الإدارية.
وتم فرض واقع مؤلم في مختلف مناطق سوريا، وقد كان للكرد في الجزيرة (محافظة الحسكة) الحصة الأكبر من المعاناة، فقد استغل البعث البائد إشادة سد الفرات لتطبيق مشروع عنصري بحق الكرد، وذلك بالاستيلاء على ملكياتهم وتوزيعها على عرب الغمر المستقدمين من الرقة وريف حلب، وقد عُرف ذلك المشروع بمشروع الحزام العربي سيئ الصيت.
ولم تتوقف التعديلات والإضافات على هذه القوانين والمراسيم على مدى عقود، لينتج عن ذلك حالة من عدم الاستقرار في المجتمع، ناهيك عن فقدان شرط أساسي يجب أن يتحلى به أي قانون، وهو تحقيق العدالة بين أفراد المجتمع.
بعد سقوط النظام الأسدي المجرم، باتت الحكومة الانتقالية الحالية أمام ملفات شائكة تتطلب إرادة قوية وجرأة في فتح هذه الملفات وإنصاف المتضررين وفق برامج وطنية وقوانين حديثة تملأ الفراغ عند إلغاء القوانين والمراسيم الجائرة (قانون الاستملاك رقم /20/ للعام 1983، والمرسوم /66/ للعام 2012، وهناك الكثير من القوانين التي يجب إلغاؤها وإزالة آثارها)، والتلكؤ الحاصل والتردد يرجع لعدة أسباب، برأيي الشخصي، نجملها بما يلي:
العديد من المسائل مرتبطة بوجود دستور دائم يعبر عن إرادة السوريين، وخاصة أن الدستور يمثل إطاراً محكماً للقوانين.
فتح باب النظر في المنازعات بشأن الملكيات يتطلب جهازاً إدارياً متمكناً، إلى جانب وجود مؤسسة قضائية مستقلة فعلياً.
إنصاف المتضررين وإزالة آثار التغيير الديمغرافي الحاصل في المناطق الكردية بدافع عنصري مقيت، وكذلك الحاصل في الكثير من المناطق السورية بدافع طائفي ومحاربة المعارضين للنظام السابق، يتطلب صرف الكثير من الأموال، سواء لجهة التخطيط والبناء أو تعويض المتضررين (فمثلاً، لإعادة الأرض المسلوبة من الفلاح الكردي يتطلب تأمين المستقدم من الرقة)، وهذا يتطلب تخصيص ميزانية لجهة التعويضات، ولجهة تشكيل أجهزة إدارية ولجان تحتاج للكثير من العمل لإنجاز حل هذه المسائل.
غياب الدعم الدولي الفعلي رغم الوعود الكثيرة.
التخوف والتردد من أن إثارة هذه الملفات قد تثير بعض القلاقل والمشاكل.
رغم وجود هذه الصعوبات والعراقيل، إلا أن الحكومة الحالية تستطيع وضع برامج وخطط بالتعاون مع مختلف الفعاليات الاجتماعية، والاستماع إلى المتضررين والضحايا، ومناقشة هذه المسائل في البرلمان، ومحاولة البدء بخطوات باتجاه حل هذه القضايا الملحّة، وإهمال النظر بهذه المسائل سيؤدي إلى حدوث منازعات قد تأخذ منحى خطيراً، ويؤدي إلى الانفلات والفوضى، وسوريا بغنى عن ذلك، فحجم الدمار الذي خلّفه النظام الأسدي المجرم طال جميع مناحي الحياة.