
المرأة العربية والاغتراب
ما المرأة؟ سؤال بدأناه بـ«ما» وليس بـ«من». وآية ذلك نزوعنا نحو تحديد الهوية الكلية للمرأة، ومن ثم تحديد حال المرأة العربية من هذه الهوية.
لو قلنا: المرأة إنسان ذو عضو مؤنث، فهذا يعني أننا قدمنا تعريفاً بيولوجياً للمرأة، يشبه تماماً قولنا: الرجل إنسان ذو عضو مذكر. لكن هذا التعريف، على بساطته، يقودنا إلى أمر في غاية الأهمية، ألا وهو أن المرأة والرجل يشتركان في صفة مشتركة واحدة هي الإنسان، وأن الاختلاف بينهما، من حيث التكوين الجسدي، لا يلغي وحدة الهوية الإنسانية.
ولهذا فإن كل تعريف للإنسان هو، بالضرورة، تعريف للمرأة والرجل معاً. فإذا قلنا: الإنسان حيوان ناطق، عاقل، حر، إرادي، ضاحك، عامل… إلخ، فإن هذه التعيينات تنسحب على الذكر والأنثى من البشر على السواء. فلا العقل مذكر، ولا الحرية مذكرة، ولا الإرادة صفة ذكورية، ولا الوعي امتيازاً جنسياً للرجل.
إذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فكيف تأتّى أن ينشأ هذا التمايز الهائل، في الوعي والواقع، بين المرأة والرجل، تمايز يصل إلى حد فقدان المرأة بعض أهم الصفات التي تنتمي إلى هوية الإنسان؟
هنا ندخل إلى معنى الاغتراب، فالاغتراب، في أبسط معانيه، هو أن يوجد الإنسان على نحو يناقض هويته وما يحقق ماهيته، أن يكون ما لا يجب أن يكونه انطلاقاً من هويته و ماهيته، وأن يُمنع من أن يكون ما هو قادر على أن يكونه. وفقدان الإنسان حريته، أو إرادته، أو حقه في تقرير مصيره، ليس فقداناً لأمر عارض فيه، بل هو اغتراب عن ذاته. إنه موجود، لكنه لا يوجد بوصفه ذاته الحرة. إنه هو وليس هو في آن واحد.
وحين تُحرم المرأة من الصفات التي نعترف بها للإنسان من حيث هو إنسان، فإننا لا نكون أمام «اختلاف» بين الرجل والمرأة، بل أمام اغتراب المرأة عن هويتها الإنسانية.
وحقيقة واقعنا العربي تقول إن المرأة، قبل أن تكون حاضرة بوصفها ذاتاً، كانت وما زالت، إلى حد بعيد، «خطاباً». وههنا جوهر القضية.
وكل خطاب، حين يتحول إلى منظومة من الأحكام والممنوعات والواجبات والتصورات، يصير سلطة. والمرأة، في جانب كبير من تاريخنا الاجتماعي، كانت موضوع خطاب ذكوري عنها، أكثر مما كانت ذاتاً منتجة للخطاب عن نفسها.
فالذكر هو الذي سأل: ما المرأة؟ وهو الذي أجاب. وهو الذي حدد صورتها، وحدود حركتها، وما يجوز لها وما لا يجوز، وما يليق بها وما لا يليق، ثم تحولت إجاباته، عبر الزمن، إلى وعي اجتماعي يبدو وكأنه حقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان.
وهكذا لم تعد المشكلة في أن الرجل كوّن صورة عن المرأة فحسب، بل في أن الصورة التي صنعها الرجل تحولت إلى سلطة على المرأة، بل وإلى وعي المرأة بذاتها في كثير من الأحيان.
وهنا تبلغ ظاهرة الاغتراب ذروتها: حين يرى المغترب ذاته بعين الخطاب الذي اغترب بسببه.
ويضاف إلى هذا أن جانباً واسعاً من الخطاب اللاهوتي الإسلامي الذي تكوّن تاريخياً حول المرأة أسهم في وضعها في حال اغتراب عن ذاتها، إذ جرى بناء صورة للمرأة، في كثير من التأويلات والفتاوى والمرويات، انطلاقاً من فكرتين شديدتي الحضور: المرأة «عورة»، والمرأة «فتنة».
وليس الأمر هنا متعلقاً بمجرد كلمتين، بل بما ترتب عليهما من تصور كامل للمرأة وعلاقتها بالرجل والمجتمع.
فالعورة، في أصل دلالتها، هي موضع النقص أو ما يُخشى ظهوره ويُستحى من كشفه. وحين تتحول المرأة نفسها، لا جزء من جسدها، إلى «عورة»، فإن وجودها المرئي يصبح هو المشكلة. أما الفتنة، في هذا الخطاب، فترتبط بالنظر إلى المرأة\ بوصفها مصدر إغراء للرجل. وهكذا تصبح المرأة مسؤولة، على نحو عجيب، عن رغبة ليست رغبتها، وعن نظرة ليست نظرتها.
ومن هنا ينشأ منطق الاستتار والمنع والحجب والتقييد: يجب ضبط المرأة كي لا تفتن الرجل، بدلاً من النظر إليها بوصفها إنساناً حراً مسؤولاً عن ذاته، والنظر إلى الرجل بوصفه إنساناً حراً مسؤولاً عن ذاته أيضاً.
إن خطورة هذا الخطاب لا تكمن في وجوده وحده، بل في الاعتقاد بأنه يمتلك قداسة الأمر الإلهي، الأمر الذي يضاعف سلطته، ويجعل الاعتراض عليه اعتراضاً بالغ الصعوبة. وهكذا يتحول الخطاب المتكوّن تاريخياً إلى ممارسة يومية، وإلى مصدر هائل من مصادر القول في كل ما يتعلق بحياة المرأة: زواجها، وملبسها، وحركتها، وسلوكها، وواجباتها، وعقوباتها، وحقوقها، وعلاقتها بجسدها، ومستقبلها كله.
وبهذا المعنى لا يعود الاغتراب واقعة خارجية فقط، أي سلطة يمارسها الرجل على المرأة، بل يتحول إلى اغتراب داخلي أيضاً. فالمرأة التي تتلقى، منذ طفولتها، خطاباً يخبرها بماهيتها المزعومة، وبأن حريتها خطر، وجسدها فتنة، وحضورها يحتاج دائماً إلى تبرير، قد تنتهي إلى النظر إلى نفسها من داخل الخطاب نفسه.
وحين يدافع الإنسان عن الشروط التي صنعت اغترابه، نكون أمام أعمق صور الاغتراب وأشدها رسوخاً.
صحيح أن وضع المرأة العربية شهد تحولات متنوعة في مستوى حضورها في الحياة العامة: في التعليم والعمل والثقافة والفن والسياسة وسائر ميادين النشاط الاجتماعي، غير أن الذهنية التي تكونت عبر مئات السنين ما زالت حاضرة وراء الموقف الذكوري من المرأة من جهة، وما زال الخطاب القديم يشكل جزءاً من وعي عدد كبير من النساء بذواتهن من جهة ثانية.
فالتحول في شروط الحياة أسرع، أحياناً، من التحول في الذهنية. قد تدخل المرأة الجامعة ولا تدخل الحرية إلى الوعي الذي ينظر إليها. وقد تعمل وتنتج وتبدع، فيما يظل الخطاب القديم يلاحقها، ويطالبها بأن تثبت في كل لحظة أنها لم تغادر الصورة التي رسمها لها.
بل إن روح الحداثة التي هبت على البلدان العربية، وامتدت بقوة من الستينيات حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وانعكست على الخطاب حول المرأة وعلى سلوكها وحضورها وتحررها النسبي، شهدت لاحقاً تراجعاً واضحاً في مناطق واسعة. وهذا التراجع يكشف عن عناد الذهنية القديمة وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها، حتى بعد أن تكون شروط الحياة قد تجاوزت كثيراً من أسسها.
ولهذا لا يمكن عزل حال المرأة، ودرجة حضورها الفاعل، وحريتها، عن مجمل التحول المجتمعي العام، رغم ضرورة أن يكون للمرأة خطابها الخاص بوصفها ذاتاً تتحدث عن ذاتها، لا موضوعاً يتحدث الآخرون عنها.
ذلك أن الذهنية الحاكمة، بوصفها موقفاً من الإنسان والحياة والحرية، قضية كلية. ولأنها قضية كلية، فإن تحرر المرأة يدخل، بالضرورة، في صميم التحولات الكبرى وكفاح البشر من أجل حريتهم.
فالمرأة لا تحتاج إلى أن تُمنح ماهية جديدة، ولا إلى أن يخترع أحد لها ماهية خاصة بها؛ إنها تحتاج إلى إزالة الشروط التي تحول بينها وبين ظهور ماهيتها الإنسانية الحرة.
والمسألة، في نهاية الأمر، ليست: كيف نحرر المرأة بوصفها امرأة؟ بل: كيف ينتصر الإنسان الحر في المرأة والرجل معاً؟
فانتصار الذهنية المؤسسة على فكرة الإنسان الحر هو، في الوقت نفسه، انتصار للمرأة الإنسان، وهزيمة لصورة المرأة «العورة» و«الفتنة».
إنه انتقال من المرأة بوصفها موضوع خطاب إلى المرأة بوصفها ذاتاً؛ من المرأة كما يريدها الآخر إلى المرأة كما تريد أن تكون؛ من ماهية مختلقة فُرضت عليها إلى وجود إنساني حر تصنع فيه ذاتها بإرادتها.
وهذا هو نفي الاغتراب.