من الشعارات إلى المؤسسات: الدولة الوطنية أولاً

0 14

ربما آن الأوان لإعادة النظر في واحدة من أكثر الأفكار حضوراً في التاريخ السياسي العربي الحديث: فكرة أن حل مشكلات المنطقة يكمن في تجاوز الدول القائمة نحو “دولة قومية واحدة” أو اتحاد سياسي فوقي. ففي حين يشترك العرب في اللغة والتاريخ والثقافة، يبقى السؤال السياسي الأساسي: هل تجاوز الدولة الوطنية هو الهدف الحقيقي، أم أن الأولوية القصوى هي إنجاز وتطوير الدولة الوطنية نفسها؟

تثبت التجارب التاريخية أن بناء الدول المستقرة يسبق توسيع أطرها الاتحادية. فالدولة ليست مجرد حدود وعلم، بل منظومة متكاملة من المواطنة، والقانون، والإدارة، والتمثيل السياسي. وحين تفتقر الدول لهذه المقومات، فإن نقل أزماتها إلى اتحاد أوسع لا يؤدي إلى حلها بل يُضاعفها.

وتقدم التجربة العربية برهاناً ساطعاً؛ ففي 22 فبراير/شباط 1958 قامت “الجمهورية العربية المتحدة” بين مصر وسوريا في ذروة المد القومي، لكنها انتهت بالانفصال في 28 سبتمبر/أيلول 1961 بعد ثلاثة أعوام ونصف فقط. لم تكن المشكلة في غياب المشاعر القومية، بل في القفز فوق التوافق المؤسسي والتمايز الاقتصادي والسياسي بين البلدين؛ مما أدى إلى تصادم الآليات الإدارية بدلاً من اندماجها.

وهنا تتضح ركيزة غاية في الأهمية: الوطنية والقومية ليستا خصمين. يمكن للمواطن أن يعتز بهويته الوطنية والقومية معاً دون إلغاء أحدهما، غير أن الدولة الحديثة تتطلب هوية سياسية جامعة تقوم على المواطنة وسيادة القانون، لا على الانتماء القومي أو الطائفي وحده.

في المقابل، تقدم التجربة الأوروبية نموذجاً للعمليّة والتدرج. بعد الحرب العالمية الثانية، لم يبدأ الأوروبيون بمشروع “دولة واحدة”، بل طرح روبرت شومان في 9 مايو/أيار 1950 فكرة تكامل اقتصادي محدد في الفحم والصلب بين فرنسا وألمانيا الغربية، ووقعت 6 دول معاهدة “الجماعة الأوروبية للفحم والصلب” عام 1951، ثم اتسعت عبر معاهدتي روما عام 1957. وبعد أكثر من أربعة عقود من بناء المصالح المؤسسية، تُوّج هذا التدرج بمعاهدة ماستريخت التي دخلت حيز التنفيذ في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1993 لتعلن قيام “الاتحاد الأوروبي” الذي يضم اليوم 27 دولة.

كما توضح التجربة الأمريكية مساراً آخر؛ إذ بدأت الولايات الـ 13 عبر نظام كونفدرالي أقرّته “مواد الاتحاد” عام 1781، لكن ضعف المركز دفَع نحو صياغة دستور 1787 لبناء اتحاد فيدرالي متماسك. وعربياً، تشكل تجربة الإمارات العربية المتحدة مثالاً ناجحاً لاتحاد قُومي على أسس واقعية؛ إذ تأسس من 6 إمارات في 2 ديسمبر/كانون الأول 1971، وانضمت رأس الخيمة في 10 فبراير/شباط 1972، بناءً على توافق مؤسسي وتوزيع واضح للصلاحيات بين المستوى الاتحادي والمحلي.

تُعلمنا هذه الشواهد أن المشكلة العربية ليست في كثرة الدول، بل في تعثر كثير منها عن إنجاز مهمتها الأولية: بناء دولة المواطنة والمؤسسات والقانون. بدلاً من السؤال التقليدي: “كيف نبني دولة عربية واحدة؟”، أصبح السؤال الملحّ: “كيف نبني دولاً وطنية ناجحة، ثم نسجّل بينها تكاملاً شبكياً؟”.

إن الدولة الوطنية القوية هي التي تضع القانون فوق الجميع، وتجعل الجيش والأجهزة أداة لحماية الوطن لا سلطة لفئة، وتحول الحدود من منافذ للصراع إلى جسور للتجارة والتنمية. وحين تحقق الدول هذه المكتسبات، يصبح التكامل العربي أكثر واقعية وعملية عبر سوق مشتركة، وشبكات طاقة ونقل، وتسهيل لحركة الأموال والأفراد.

إن المطلوب اليوم ليس خياراً حدياً بين “دولة مغلقة” أو “وحدة اندماجية قسرية”، بل “طريق ثالث”: دول وطنية راسخة تُبنى على المواطنة، وتتعاون تدريجياً عبر المصالح، لنتحول من “عروبة الشعارات” إلى “عروبة المؤسسات”.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني