
كيف نفهم الوعي الوطني في سورية اليوم؟
في المجتمعات التي تحكمها روابط العشيرة والعائلة الممتدة، يقف الإنسان السوري اليوم في نقطة صعبة ومعقدة. فهو يعيش بين قوتين: قوة الانتماء العائلي الذي وُلد فيه، الذي يمنحه الأمان والدفء والظهور، وقوة الانتماء الوطني الذي يدعوه إلى أن يكون مواطناً في دولة تحكمها القوانين والمؤسسات. السؤال المهم هنا ليس عن الأوراق الرسمية أو الهوية التي يحملها، بل عن شيء أعمق: هل يشعر في داخله أن سورية كلها وطنه الحقيقي، أم أن ولاءه الأول ما زال لعائلته وعشيرته وقريته؟
لقد ولد الإنسان في هذه المنطقة منذ قرون داخل جماعته الصغيرة. وجد نفسه محاطاً بأقارب يضمنون له الحماية، ويقفون معه في الشدة، ويمنحونه مكانته. هذا الانتماء الأول ليس شيئاً سيئاً، بل هو طبيعي وإنساني. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا الانتماء هو المرجع الوحيد في كل شيء، حتى في القضايا التي تخص الوطن كله.
في المقابل، تمثل الدولة الحديثة شيئاً مختلفاً تماماً. فهي ليست عائلة كبيرة، بل كيان يجمع ملايين الناس الذين لا تربطهم قرابة دم، لكنهم اتفقوا على العيش معاً تحت قانون واحد ومؤسسات واحدة. هذا ما يسميه المفكرون “الوطن” أو “المجتمع الوطني”. وهو كيان أكبر من أي عائلة أو قبيلة، لكنه في الوقت نفسه أقل دفئاً وأكثر تجريداً. لهذا يجد كثير من الناس صعوبة في الشعور به والتعامل معه كحقيقة وليس مجرد كلام رسمي.
لا يمكن معرفة الوعي الحقيقي للإنسان من خلال الأسئلة المباشرة أو الخطب الحماسية. فالناس غالباً يقولون ما يريد الآخرون سماعه. المعرفة الحقيقية تأتي من مراقبة سلوكهم في لحظات الصراع الحقيقي، عندما تتعارض مصلحة العشيرة مع مصلحة الوطن أو مع القانون. في تلك اللحظة يظهر معدن الإنسان الحقيقي. هل يقف مع القانون حتى لو كان ضد قريبه؟ أم يتحايل على القانون لصالح جماعته؟ هل يعتبر الدولة غاية يجب حمايتها، أم مجرد وسيلة يستفيد منها لصالح عائلته؟
هذه اللحظات هي المفتاح لفهم ما يجري في داخل الناس، وهي التي تكشف ما إذا كان الوعي الوطني قد تشكل فعلاً أم لا يزال مجرد قشرة خارجية.
هناك ثلاثة اختبارات حقيقية يمكن من خلالها فهم مستوى الوعي الوطني لدى أي إنسان.
الاختبار الأول: هو كيفية التعامل مع الشخص الغريب عنك
هل ينظر الإنسان إلى من ليس من عشيرته أو منطقته كشريك له في نفس الوطن وله نفس الحقوق والواجبات؟ أم ينظر إليه كغريب يجب الحذر منه؟ عندما يفضّل الإنسان ابن عشيرته على شخص آخر أكثر كفاءة في وظيفة أو منصب، فهذا يعني أن وعيه الوطني ما زال ضعيفاً، وأنه لا يرى في الآخرين شركاء حقيقيين في الوطن.
الاختبار الثاني: هو علاقة الإنسان بالقانون والسلطة
ما هو المصدر الأعلى للسلطة في عقله؟ هل هو القانون والمؤسسات، أم العرف والتقاليد العشائرية؟ عندما يعتبر الإنسان أن القانون مجرد إجراء شكلي يمكن التحايل عليه لصالح العشيرة، فهذا يعني أن الدولة في عقله ليست سوى غلاف خارجي لا قيمة حقيقية له. الدولة القوية هي التي يكون قانونها فوق الجميع، بمن فيهم أبناء العشائر.
الاختبار الثالث: هو القدرة على التفكير في المصير المشترك
المواطنة الحقيقية تعني أن يشعر الإنسان بأنه جزء من مشروع كبير يتجاوز حدود الدم والقرابة. هذا يظهر عندما يضحي الإنسان من أجل قضايا لا تخص عشيرته، وعندما يرى في تاريخ بلده مساراً جامعاً للجميع، لا صراعاً بين مكونات متنافسة.
يجب أن نفهم أن المطلوب ليس أن يتخلى الإنسان عن عشيرته أو يقطع جذوره. هذا مستحيل وغير مرغوب فيه. العشيرة تمنح الإنسان دفئاً وانتماءً ودعماً اجتماعياً لا يمكن تعويضه. المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات، لا إلغاء الانتماء الأول.
المواطنة الحقيقية تعني أن يتحول الانتماء العشائري من شيء يحدد السياسة والقانون إلى شيء ثقافي واجتماعي فقط. أي أن تبقى العشيرة مصدر دفء وانتماء، بينما يصبح الوطن هو الإطار الذي يمنح الإنسان حقوقه وكرامته وحريته. الوطن هو الكيان الوحيد القادر على حماية الجميع، بمن فيهم أبناء العشائر أنفسهم، من خلال مؤسسات عادلة وقوانين تحمي الجميع.
ما تحتاجه سورية اليوم هو وعي وطني حقيقي يدرك فيه الإنسان أن عشيرته جزء من وطن أكبر، وأن مصلحته الحقيقية على المدى الطويل مرتبطة بمصلحة الوطن كله. هذا لا يتحقق بالخطب والشعارات، بل ببناء مؤسسات عادلة، وتطبيق قانون يحمي الجميع، وتعليم يربي أجيالاً تفكر بالوطن ككيان جامع لا كساحة للتنافس بين المكونات.