
مجموعة القصص المتجاورة «تلة يسكنها الأعداء» لـلكاتبة فدوى العبود
التخييل الذاتي وتشظّي السرد في البنية السردية والدلالية
تضعنا مجموعة “تلة يسكنها الأعداء” لفدوى العبود أمام إشكالية لا تتصل بمضمون العمل وحده، وإنما تمتد إلى ماهيته الأجناسية وطريقة تشكّله؛ فالكتاب المنشور عن دار خطوط وظلال، يُقدِّم نفسه على أنّه مجموعة من النصوص القصصية المتجاورة، غير أن القراءة المتأنية تكشف عن شبكة من العلاقات الداخلية تجعل الحدود بين القصة القصيرة والسيرة الذاتية والرواية أقل وضوحاً مما تبدو عليه في التصنيف الأولي.
ومن هنا فإن السؤال النقدي الذي يُطرح هنا هو، كيف تستثمر الكاتبة إمكانات القصة القصيرة لبناء وحدة سردية تتجاوز استقلال القصص، وتقترب في امتدادها الزمني والموضوعي من الرواية، وفي مرجعيتها الذاتية من السيرة، وفي آلياتها التخيلية من التخييل الذاتي؟
إن العمل لا يبدو معنياً بإقامة حدود فاصلة بين هذه الأجناس، إنما هو معنيٌّ بتفكيكها وإعادة تركيبها في بنية سردية هجينة؛ ولذلك فإن مفهوم “التجاور” الذي اختارته الكاتبة لوصف نصوصها يبدو أكثر من مجرد توصيف شكلي؛ إنه مفتاح بنيوي لفهم الطريقة التي تنتقل بها الشخصيات والذكريات والثيمات والصور من قصة إلى أخرى، بحيث يصبح كل نص جزءاً من ذاكرة نصيّة أكبر.
التشظّي من الخلل إلى البنية الجمالية
يُعدُّ التشظي من أبرز سمات المجموعة، لكن من المهم نقديّا ألا نفهم التشظي على أنه تفكك في البناء، فثمة فرق بين التفكك غير المنتج وبين التشظي الذي يحاكي موضوعه. في “التلة” يبدو أن تفتت السرد مرتبط بتفتت الذاكرة والذات والعالم؛ فالراوية تستطرد، ثم تعود، وتفتح قوساً سردياً، ثم تغلقه، وتنتقل من الواقع إلى الحلم، ومن الحلم إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الحاضر. وبذلك يصبح شكل النص صورة من موضوعه، ويمكن القول إن البنية تحاكي التجربة، فالعالم مشظى، والذاكرة مشظاة، والذات مشظّاة، وهذا كله يعطي سرداً مشظى، وهذه المعادلة هي إحدى أهم نقاط القوة الجمالية في العمل.
الأسلوبية الميتاسردية وكسر الإيهام
حين تخاطب الراوية القارئ مباشرة، فإنها لا تكتفي برواية الحكاية، وإنما تكشف آلية روايتها، وهنا تدخل المجموعة في منطقة الميتاسرد؛ أي السرد الذي يلتفت إلى نفسه، وإلى عملية إنتاج الحكاية؛ فالراوية تعرف أن القارئ موجود، وتفترض اعتراضه، وتعلق على استطرادها، وكذلك تدخل معه في حوار. وهذه التقنية تكسر الوهم التقليدي بأن الحكاية عالم مغلق لا يعرف وجود قارئ خارجي، وهنا يصبح القارئ شخصية ضمنيّة في العملية السرديّة. وهذا ينسجم مع الطبيعة التجريبية للعمل؛ فالنص لا يُريد أن يُخفي أدواته دائماً، إنه يكشف أحياناً عن آلية اشتغاله.
التخييل الذاتي وإرباك الحدود بين المؤلفة والراوية والشخصية:
تقترب المجموعة من مفهوم التخييل الذاتي من خلال تشابك التجربة الذاتية مع التخييل، دون أن يتحول النص إلى اعترافات سِيَريَّة مباشرة، والفارق هنا مهم؛ فالسيرة الذاتية التقليدية تفترض تعاقداً أوضح بين المؤلف والشخصية والراوي، بينما يقوم التخييل الذاتي على إعادة تشكيل التجربة الشخصية داخل بنية فنية تسمح بالتغيير والاختلاق والمزج بين الواقعي والمُتَخَيَّل، وتساعدنا في فهم ذلك حقيقة أن الكاتبة ربطت الكتابة بالذاكرة، مؤكدة أن النصوص كانت قد كُتبت في داخلها قبل أن تكتب على الورق، وأن “الذاكرة” كانت الفضاء الذي تجولت فيه أثناء الكتابة.
وهكذا تصبح الذاكرة في “التلة” ليست مستودعاً للمعلومات، وإنما آلة لإعادة إنتاج الواقع؛ فالواقعة لا تُستعاد كما حدثت، وإنما كما بقيت في الوعي، وهذا الانتقال من “الحدث” إلى “أثر الحدث” هو أحد أهم مفاتيح التخييل الذاتي.
الزمن صنو الذاكرة وليس خطّاً كرونولوجياً:
من أكثر العناصر حضوراً في “التلة” هو الزمن النفسي؛ فالزمن لا يسير من الطفولة إلى الشباب إلى النضج وفق ترتيب خطي، وإنما يقفز ويعود ويتشظى، وهذه التقنية تجعل السرد قريباً من آلية الذاكرة البشرية، حيث صورةٌ تستدعي صورة، ومكانٌ يستدعي شخصاً، وشخص يستدعي حادثة، وحادثة تفتح باباً على مرحلة بأكملها، وهنا يصبح الاسترجاع الزمني بنيةً سردية أساسية لا مجرد تقنية ثانوية، إن الماضي لا يعود لأنه ماضٍ، وإنما لأنه ما يزال فاعلاً في الحاضر، وهذه نقطةٌ شديدةُ الأهمية في العمل؛ فالذاكرة ليست استعادة لما انتهى، إنها دليلٌ على أن ما حدث لم ينتهِ. ومن هنا يمكن فهم كثافة الحضور النفسي للحرب؛ فالحرب قد تكون حدثاً وقع في زمن محدد، لكنها تستمر بعد انتهائها داخل الذاكرة والجسد والمكان واللغة.
المكان ذاكرةٌ للكارثة:
لا تقدم المجموعة مكاناً جغرافياً محدداً يمكن تثبيته على الخريطة بقدر ما تقدم مكاناً رمزياً قابلاً للتعميم؛ فالبيت، والمدينة، والحديقة، والحفرة، والحمام، والمدرسة وغيرها، ليست أمكنة محايدة، إنها أمكنة مشحونة بالذاكرة، واللافت أن المكان يتعرض في العمل إلى انقلاب وظيفي؛ فالحديقة التي يُفترض أن تكون فضاءً للّعب والحياة تصبح قبراً جماعياً، والمكان المغلق الذي يفترض أن يوفر الحماية يتحول إلى فضاء للجريمة. وهنا تتدخل الحرب لتقلب نظام الأشياء؛ فما كان آمنا يصبح خطيراً، وما كان عامّاً يصبح مقبرة، وما كان بيتا يصبح ذاكرة للخوف، وهذا الانقلاب يجعل المكان شريكاً في إنتاج المعنى، لا خلفية للأحداث.
الشخصية الرئيسة “الشخصية العابرة للنصوص”:
تشكّل الشخصية الرئيسة أكثر عناصر العمل تماسكاً، إنها لا تظهر في كل مرة بالصورة نفسها؛ ولكنها تتبدل تبعاً للمرحلة العمرية والسياق النفسي والاجتماعي في مجموعة القصص الثلاث عشرة: ““وجود في الزمن الخطأ”، “زيارة”، “مرآة مسننة الحواف”، “قصاصات منتهية الصلاحية”، “البكّاءة”، “امرأة تميل نحو الأرض”، “يقظة”، “سيارة بيضاء كالثلج”، “حديقة الألعاب”، “حين أضعت طريق البيت”، “نباح جرو حزين”، “اختلال وجودي”، و”وعول محنطة””؛ فهي الطفلة البكّاءة، والفتاة العاشقة، والزوجة، والأم، والابنة، والمرأة التي تحاول أن تصنع لنفسها وجوداً مستقلاً، ثم المرأة التي تصطدم بعنف الواقع والحرب. وهذا التحوّل لا يُمثّل مجرد تطور في الشخصية، إنّه يمثل سيرةً للوعي؛ فما يتغير ليس العمر وحده، وإنما علاقة الشخصية بذاتها وبالآخرين وبالعالم. والأكثر دلالة هو غياب الاسم الصريح للشخصية الرئيسة، في مقابل تسمية شخصيات أخرى، ومنها “لور”.
المرأة مشروع وجود وليس ثيمة اجتماعية:
لا ينبغي اختزال البعد النسوي في المجموعة في الحديث عن “معاناة المرأة” فحسب، فالأفضل أن نقرأ المسألة على أنها صراع حول حق الذات في تعريف نفسها؛ فالمرأة في المجموعة القصصيّة تمرّ عبر سلسلة من الأدوار التي يُحدّدها الآخرون لها، ابنة، زوجة، أمّ، امرأة صالحة، امرأة مُطالَبَة بالتضحية. لكنّ الذات الساردة تُحاول أن تتجاوز هذه الأدوار باتجاه وجود أكثر استقلالاً، ومن هنا يصبح صراع المرأة جزءاً من السؤال الوجودي العام الذي يحكم المجموعة: من أنا عندما تتكاثر الأدوار التي يُريد الآخرون أن أكونها؟ وهذا السؤال يُفسّر أيضاً غياب اسم الشخصية الرئيسة؛ فالمرأة التي لم يمنحها السرد اسماً ثابتاً تبدو في الوقت نفسه امرأة تبحث عن اسمها الوجوديّ الخاص.
وتتسع الدلالة تدريجياً من التجربة الفردية إلى التجربة الجمعية؛ فالمرأةُ التي تحاول العثور على طريق بيتها لا تبحث فقط عن عنوان جغرافي؛ إن ضياع الطريق يمكن أن يتحول إلى استعارة عن فقدان الإحساس بالمكان والانتماء. والبيتُ نفسُهُ لا يبقى بيتاً بالمعنى الهندسيّ، وإنما يتحول إلى علامة على الأمان المفقود. وحين تدخل الحرب إلى هذا العالم، يصبح سؤال الوطن أكثر تعقيداً: هل الوطن مكان، أم ذاكرة، أم أشخاص، أم صورة لا يمكن استعادتها؟ هنا تتجاوز المجموعة الخطاب المباشر عن الحرب إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا يبقى من الوطن حين تتغير الأمكنة ولا تستطيع الذاكرة أن تستعيدها كما كانت؟
تكشف “تلة يسكنها الأعداء” عن مشروع سردي يقوم على التجاوز الأجناسي والتشظي البنيوي والتخييل الذاتي وتعدد مستويات الرؤية؛ فهي لا تقدم القصة القصيرة في صورتها المغلقة، ولا تستنسخ الرواية في شكلها التقليدي، ولا تكتب السيرة كونها تسجيلاً مباشراً للذات؛ وإنما تستثمر عناصر هذه الأشكال جميعاً لبناء نصوص متجاورة تتفاعل فيما بينها. إن قوة التجربة لا تكمن في وجود شخصية واحدة تمتد عبر القصص فحسب، وإنما في تحويل هذه الشخصية إلى محور لتاريخ داخلي تتقاطع فيه الطفولة والحب والأمومة والعمل والحرب والذاكرة.