خمسة عشر عاماً من الاختفاء القسري في سوريا.. الحقيقة حق لا يسقط بالتقادم

0 11

خمسة عشر عاماً لم تكن كافية لإغلاق ملف الاختفاء القسري في سوريا. خلف الأرقام الكبيرة آلاف العائلات التي ما زالت تنتظر إجابة عن السؤال الأكثر قسوة: أين أبناؤها، وماذا حدث لهم؟

في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، أعادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان فتح هذا الملف بتقريرها السنوي الصادر في 30 آب/أغسطس 2026، مؤكدة أن البحث عن المختفين لا يمكن أن ينفصل عن حماية الأدلة، وجبر ضرر العائلات، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وبحسب التقرير، ما لا يقل عن 177,021 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، ما زالوا في عداد المختفين قسرياً في سوريا منذ آذار/مارس 2011. كما وثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 45,365 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية خلال الفترة نفسها، بينهم 45,038 شخصاً قالت إنهم قضوا داخل مراكز احتجاز تابعة لنظام الأسد السابق.

وتشدد الشبكة على أن استخدام عبارة «ما لا يقل عن» يعني أن هذه الأرقام تمثل الحالات التي أمكن توثيقها، بينما قد يكون العدد الفعلي أكبر.

سقوط النظام لم يُنهِ الاختفاء:

كان سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 نقطة تحول سياسية، لكنه لم يضع حداً لملف المختفين.

فالاختفاء القسري، وفق المعايير الدولية التي يستند إليها التقرير، ليس واقعة تنتهي بمجرد سقوط الجهة التي يُشتبه في مسؤوليتها عنه، بل يظل انتهاكاً مستمراً ما دام مصير الشخص أو مكان وجوده مجهولاً.

وهنا تتغير طبيعة المهمة. فبعد سنوات كان فيها الوصول إلى مراكز الاحتجاز والسجلات الرسمية شبه مستحيل، تصبح الأولوية الآن للوصول إلى المعلومات التي يمكن أن تقود إلى معرفة مصير المختفين، وتحديد أماكن الاحتجاز والمقابر الجماعية، وفحص الأرشيفات والسجلات الأمنية والعسكرية والقضائية والمدنية.

لكن الانتقال من التوثيق إلى البحث الفعلي يحمل خطراً آخر: فقدان الأدلة أو العبث بها أو إتلافها.

وتحذر الشبكة من أن مواقع المقابر الجماعية ومراكز الاحتجاز السابقة والمحفوظات تمثل جزءاً أساسياً من الحقيقة التي تحتاجها العائلات، كما تمثل في الوقت نفسه أدلة محتملة في التحقيقات الجنائية. ولذلك فإن حماية هذه المواقع والوثائق ليست مسألة إدارية، بل جزء من عملية العدالة نفسها.

العائلات ليست هامشاً في العدالة:

طوال سنوات الاختفاء، لم تكن المعاناة مقتصرة على الشخص الذي اختفى. فقد وجدت عائلات كثيرة نفسها في حالة قانونية وإنسانية معلقة: لا تعرف إن كان قريبها حياً أم ميتاً، ولا تستطيع في حالات عديدة استخراج شهادة وفاة موثوقة، أو إنهاء مسائل الميراث، أو إقامة مراسم الدفن.

ويشير التقرير إلى التداعيات النفسية والاقتصادية والاجتماعية العميقة التي خلفها ذلك على الأسر، داعياً إلى وضعها في قلب جميع العمليات المتعلقة بالمفقودين.

وتؤكد المعايير الدولية، بحسب التقرير، أن مفهوم الضحية لا يقتصر على الشخص المختفي، بل يشمل أقاربه وكل من لحق به ضرر مباشر نتيجة الاختفاء.

كما يستند التقرير إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 60/147 لعام 2005، الذي يحدد خمسة أشكال رئيسية لجبر الضرر: الرد، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار.

وبذلك، فإن معرفة مكان المختفي أو مصيره تمثل بداية للعدالة، لا نهايتها.

الحقيقة والأدلة والمساءلة.. مسار واحد:

تكتسب حماية الأدلة أهمية خاصة في المرحلة الانتقالية. فكل سجل أمني، وكل وثيقة، وكل معلومة عن مركز احتجاز، وكل موقع دفن جماعي قد يحمل جزءاً من قصة شخص اختفى، وقد يساعد أيضاً في تحديد المسؤولية الجنائية.

ولهذا تدعو الشبكة إلى برنامج وطني ودولي متكامل لحصر مراكز الاحتجاز السابقة، وحماية المحفوظات، وتوثيق المقابر الجماعية، وضمان سلسلة حيازة الأدلة، والاستعانة بخبراء الطب الشرعي والأنثروبولوجيا الشرعية وتحليل الحمض النووي.

وفي المقابل، تحذر من الخلط غير المدروس بين مسار كشف الحقيقة والمسار القضائي. فالمعلومات الحساسة المتعلقة بالمفقودين والعائلات والشهود تحتاج إلى حماية، وأي نقل للبيانات بين الجهات المختلفة ينبغي أن يتم وفق ضمانات واضحة، حتى لا تتحول عملية البحث عن الحقيقة نفسها إلى مصدر خطر جديد.

ويرى التقرير أن التعاون بين اللجنة الوطنية للمفقودين، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، وآليات الأمم المتحدة، والهيئات الدولية المختصة، ومنظمات المجتمع المدني، والسلطات القضائية، ومؤسسات الطب الشرعي، يمكن أن يشكل أساساً لعمل أكثر تنظيماً، شرط الحفاظ على الاستقلالية وحماية البيانات.

الاختفاء القسري ليس ملفاً إنسانياً فقط:

يضع التقرير قضية المفقودين في إطار قانوني أوسع. فالاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري تعرف الاختفاء القسري بأنه حرمان شخص من حريته من قبل موظفي الدولة أو جهات تعمل بإذنها أو دعمها أو موافقتها، يتبعه رفض الاعتراف بالحرمان من الحرية أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده.

وسوريا لم تنضم حتى الآن إلى هذه الاتفاقية.

كما يشير التقرير إلى أن الأنماط الموثقة من الاختفاء القسري قد ترقى، متى ثبتت أركانها أمام جهة قضائية مختصة، إلى جريمة ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي.

ولا تتوقف المسؤولية عند الشخص الذي نفذ الاعتقال أو التعذيب بصورة مباشرة. إذ يشير التقرير إلى ضرورة التحقيق أيضاً في مسؤولية من أصدر الأوامر أو حرض أو ساعد، وكذلك القادة والرؤساء الذين تتوافر بشأنهم الشروط القانونية المتعلقة بالسلطة والسيطرة والعلم بالجرائم وعدم اتخاذ التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.

ويعني ذلك أن العدالة الانتقالية في سوريا تواجه اختباراً يتجاوز معرفة أسماء المختفين وأعدادهم: منظومة المسؤولية نفسها تحتاج إلى الكشف والتحقيق والإثبات.

لا عدالة من دون حقيقة:

يلخص فضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، جوهر الموقف بالقول إن البحث عن المفقودين «لا يمكن اختزاله في عمل إنساني منفصل عن العدالة»، لأن كل حالة تطرح أسئلة حول من نفذ الاعتقال، وأين احتُجزت الضحية، ومن أصدر الأوامر أو أشرف على تلك الأفعال، وماذا حدث لها، ومن يتحمل المسؤولية.

وتدعو الشبكة الحكومة السورية إلى جعل ملف المفقودين أولوية وطنية ووضعه في صميم العدالة الانتقالية، وضمان استقلال اللجنة الوطنية للمفقودين وتمكينها من الوصول إلى السجلات ومراكز الاحتجاز السابقة ومواقع الدفن.

كما تطالب بحماية الشهود والناجين، وإنشاء أنظمة آمنة لإدارة المعلومات، وإطلاق برنامج وطني للحمض النووي قائم على الموافقة الحرة والمستنيرة، والتصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

وعلى المستوى الدولي، تدعو الشبكة الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى تقديم دعم سياسي وتقني ومالي مستدام للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، كما تحث الدول على مواصلة التحقيقات والمحاكمات استناداً إلى الولاية القضائية العالمية، وتعزيز التعاون مع الجهات القضائية المتخصصة في عدد من الدول الأوروبية.

لكن نجاح هذه المسارات يتطلب أكثر من القرارات والهياكل الجديدة. فالعائلات تحتاج إلى نتائج ملموسة، والمواقع تحتاج إلى حماية، والأدلة تحتاج إلى حفظ، والتحقيقات تحتاج إلى استقلال، والمسؤولية تحتاج إلى محاكمات تستوفي معايير العدالة.

بعد خمسة عشر عاماً، لم يعد السؤال فقط: كم شخصاً اختفى في سوريا؟

السؤال الذي تفرضه المرحلة الجديدة هو: هل تستطيع سوريا أن تكشف أين ذهب هؤلاء، وأن تمنح عائلاتهم الحقيقة والإنصاف، وأن تحول الحقيقة إلى عدالة تمنع تكرار الجريمة؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني