تحالف مكة الدفاعي.. الدرع الإسلامي الذي تحتاجه سوريا

0 1٬234

من أهم منجزات الزلزال الجيوسياسي الذي حدث في المنطقة بعد السابع من أكتوبر (حتى الآن) هو انتصار الثورة السورية وإسقاط نظام الأسد، وقد أكون غير مبالغٍ إذا قلت إن إسقاط ذلك النظام بما مثّله خلال العقود الستة الماضية هو أكبر متغيّر يحدث في الشرق الأوسط منذ قيام دولة العدو الإسرائيلي، وقبلها انهيار الإمبراطورية العثمانية.

كانت سوريا (الأسد) تُشكّل نقطة ارتكاز كبرى في مشروع الهلال الشيعي في المنطقة الذي بدأته إيران الخمينية منذ 47 عاماً، وكان تخادم نظام الأسد مع الدولة العبرية واضحاً، حيث لا يخفى موقفه من الحرب على منظمة التحرير الفلسطينية، وسعيه لحجز مقعده الرئيسي في تحالف الأقليات في المنطقة، والذي كان التعويل على نجاحه كبيراً بحيث يتم التفاهم الضمني بين نظام الملالي وإسرائيل كقطبين رئيسيين لنجاحه، وبالتالي تتحقّق الغاية الكبرى من عدم نشوء قوة إسلامية سنية كبرى في المنطقة كما كانت الدولة العثمانية سابقاً.

إسرائيل وإيران الخاسران الأكبران من التغيير السوري، بحكم استفادة كل واحدة منهما من وجود نظام الحكم السوري، وصياغة استراتيجيات بعيدة المدى تتضمّن بقاء هذا النظام وطرق وآليات توظيفه لخدمة مصالح كل منهما.

ومنذ اليوم التالي للانهيار المفاجئ للنظام البائد، ظهر أنّ طهران وتل أبيب لم تستوعبا الصدمة، وبدأت كل واحدة منهما بارتجال خطط للإضرار بالعهد الجديد بأسرع وقت ممكن، ريثما يتم وضع خطط قريبة ومتوسطة المدى للتعامل مع العهد السوري الجديد.

كان العداء الإسرائيلي للعهد الجديد مُعلناً، وتم اقتران الأفعال بالأقوال، فقامت إسرائيل بشنّ أكبر الغارات في تاريخها على ما تبقى من بنى تحتية وأسلحة لجيش الأسد المنهار، خشية استخدامها من الجيش السوري الجديد، وتم إعطاء التوجيهات للعملاء في الداخل (كالهجري مثلاً) بمحاولة تقويض استقرار العهد الجديد واستفزازه لتوريطه في دماء الأتباع، والاستفادة من ذلك بترسيخ صورة طالبانية للعهد الجديد، وبالتالي التأثير على صانع القرار الأمريكي لإبقاء العقوبات على سوريا، والاستمرار في حماية ورعاية تنظيم قسد، وذلك تحت بروباغاندا حماية الأقليات من التغوّل الأكثري.

كان ردّ الفعل الإيراني على تبخّر نظام الأسد أكثر رصانة من رد العدو الإسرائيلي، وقد يكون ذلك تقية سياسية، أو مداراة وتريثاً لاستشعار الأخطار المحدقة في المشروع الإيراني، خاصة أن الرئيس ترامب كان قد ربح الانتخابات الرئاسية، ومسألة قدومه للبيت الأبيض مسألة أسابيع.

ومع ذلك، جربت إيران حظّها بتحريك أذنابها في الساحل باكراً بعد أسابيع من وصول العهد الجديد لدمشق، وحصلت أحداث آذار، وفشل تحرّك الفلول وإيران فشلاً ذريعاً، وبالتالي كان لابد للحرس الثوري من التخطيط لأعمال أكبر وأكثر تنظيماً، وما أجّلها هو حرب الـ 12 يوم في الثالث عشر من حزيران 2025، ولكن النية قائمة للإضرار بالاستقرار السوري إن نجا نظام الملالي من الحرب التي اندلعت مُجدداً في نهاية شباط 2026 ولا زالت مستمرة..

سوريا لا يمكن أن تكون دولة محايدة أو حيادية في إقليمها الجيوسياسي المضطرب، والجاري الآن إعادة تشكيله من جديد، فلابد لها من حماية نفسها وإنجازاتها بتحالفات دفاعية وازنة مع دول قوية سواء كانت في الإقليم أم خارجه، وسبق لها مؤخراً الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، فلا تستطيع هي منفردة محاربة التنظيمات الإرهابية المسلحة والعابرة للحدود في سوريا، خاصةً أن تحالفاً دولياً يضمّ عشرات الدول وبقيادة أمريكية أمضى عقداً من الزمن في محاربة تلك الجماعات الإرهابية ولم يُحقّق الانتصار الناجز عليها.

من لعنات الجغرافيا أنّ سوريا تُجاور دولة الاحتلال الإسرائيلي التي تحتل جزءاً غالياً من أراضيها وترغب في المزيد، وتريد الهيمنة على القرار السيادي السوري والتحكّم بالخيارات السورية على كل الأصعدة، لذلك أيّ تحالف تدخل فيه سوريا يقوي موقفها التفاوضي مع إسرائيل ويرفع الكلفة ويُربك الحسابات على أيّ عدوان تَشنّه عليها مستقبلاً.

وسوريا محاطة غرباً بوجود ميليشيا حزب الله التي ارتكبت الأهوال بحقّ الشعب السوري لمناصرتها لنظام الأسد البائد، ولا زال يؤمّن ملاذاً آمناً لكل الفلول، ويرعى ويحمي كل الأنشطة المعادية لسوريا، ويَتحيّن الفرص للعبث بالأمن السوري، فيما تتواجد ميليشيات الحشد الشعبي العراقي شرقاً، وهي تحشد قواتها على الحدود السورية وتُطلق تهديداتها المستمرة بالإخلال بالأمن والاستقرار في سوريا، وهذه الميليشيات الطائفية شاركت في المذبحة التي تَعرّض لها الشعب السوري، حيث كانت في طليعة القوات المساندة لميليشيا النظام البائد.

أما بالنسبة للنظام الإيراني، فلن ينسى خسارته في سوريا بسهولة، وهي خسارة استراتيجية بكل المقاييس، حيث قطعت الترابط الجغرافي واللوجستي بين حلقات المحور الإيراني، وأخرجت إيران من الإطلالة والتموضع على الضفة الشرقية للمتوسط، لذلك من استراتيجياتها عدم الاستقرار في سوريا والانقضاض عليها عندما تحين الفرصة لتعويض الخسارة الكبرى، وإهدار أموال وأرواح وجهود بذلتها إيران على مدى خمسة عقود، لذلك تعتبر الحالة السورية الجديدة عدوّة لها مهما حاولت إخفاء ذلك الآن.

تُشكّل سوريا عُمقاً استراتيجياً لتحالف مكة الدفاعي، وتربط جغرافيا المملكة بتركيا، وتُتيح حدوداً جغرافية مع إسرائيل، وسوريا التي خرجت مُدمّاة من حقبة الأسد الطويلة تحتاج لشتى أنواع الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي للوقوف على قدميها والتحوّل لقوة فاعلة في الإقليم، خاصةً أنّ أهمية موقع سوريا الجيوسياسي يتصاعد بعد التوتر الأخير في الممرات المائية في هرمز وباب المندب، وحاجتها وحاجة العالم لأن تكون بوابة لاستمرار سلاسل التوريد وخطوط نقل الطاقة والمعلومات بين آسيا وأوروبا.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني