
سوريا بعد التعذيب.. اختبار العدالة يبدأ من أماكن الاحتجاز
لم يكن التعذيب في سوريا خلال سنوات النزاع مجرد انتهاك يحدث داخل غرف مغلقة، بل تحول إلى أحد أكثر التعبيرات وضوحاً عن علاقة السلطة بالفرد. فشبكة الاحتجاز التي امتدت عبر الأجهزة الأمنية والسجون الرسمية وغير الرسمية لم تنتج فقط آلاف الضحايا، بل خلّفت إرثاً قانونياً وإنسانياً يضع الدولة السورية الجديدة أمام أحد أصعب استحقاقاتها: كيف يمكن الانتقال من إدارة الخوف إلى بناء منظومة قانون تحمي الإنسان؟
هذا هو السؤال الذي يعيده إلى الواجهة التقرير الصادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، والذي وثّق مقتل ما لا يقل عن 45,364 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز القاسية أو اللاإنسانية منذ آذار/مارس 2011 وحتى حزيران/يونيو 2026، بينهم 231 طفلاً و116 سيدة.
لكن الرقم، على ضخامته، لا يختصر طبيعة المشكلة. فالتقرير يرسم صورة لنمط ممنهج ارتبط بالاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والوفاة داخل مراكز الاحتجاز، وهي سلسلة من الانتهاكات جعلت من غياب الرقابة القانونية جزءاً من آلية إنتاج العنف نفسها.
من انتهاك فردي إلى منظومة متكاملة:
تكشف بيانات الشبكة أن التعذيب في سوريا لم يكن محصوراً في ممارسات معزولة أو تجاوزات فردية، بل ارتبط ببنية احتجاز امتدت عبر مؤسسات أمنية ومراكز متعددة خلال سنوات الحرب.
وتشير الأنماط الموثقة إلى استخدام وسائل متعددة، من الضرب المبرح والصعق الكهربائي والتعليق في أوضاع مؤلمة، إلى الحرمان من الرعاية الطبية والعزل المطول والعنف الجنسي والإذلال وظروف الاحتجاز التي أدت في بعض الحالات إلى الوفاة.
غير أن الجانب الأكثر خطورة لم يكن في أساليب التعذيب فقط، بل في البيئة التي سمحت باستمراره: غياب التواصل مع العالم الخارجي، حرمان المحتجزين من المحامين، وتعطيل الرقابة القضائية، ما جعل الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب حلقات مترابطة ضمن مسار واحد.
أرقام تكشف حجم الفراغ بين الجريمة والعدالة:
وفق قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يزال ما لا يقل عن 181,677 شخصاً بين محتجزين فعلياً ومختفين قسراً وأشخاص مجهولي المصير لدى أطراف النزاع منذ عام 2011 وحتى حزيران/يونيو 2026.
ومن بين هؤلاء، هناك 177,021 شخصاً ما زالوا في عداد المختفين قسراً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة.
أما الضحايا الذين قضوا بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز القاسية، فتشير بيانات الشبكة إلى أن 45,038 منهم توفوا داخل مراكز احتجاز تابعة للنظام السوري السابق، أي ما يقارب 99 بالمئة من إجمالي الحالات التي وثقتها الشبكة، فيما توزعت بقية الحالات على أطراف أخرى في النزاع.
لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في تحديد حجم الانتهاكات، بل في كشف حجم التحدي أمام أي مسار للعدالة، حيث لا يتعلق الأمر بمعاقبة أفراد فقط، بل بمعالجة آثار منظومة كاملة.
سقوط النظام لا يغلق ملف الاحتجاز:
أحد الاختبارات الأساسية أمام المرحلة الجديدة في سوريا يتمثل في كيفية التعامل مع إرث الاحتجاز والتعذيب. فالمشكلة لم تعد فقط في كشف ما حدث، بل في بناء آليات تمنع إعادة إنتاجه.
وتشير الشبكة إلى أن الوصول بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى وثائق رسمية ومراكز احتجاز كانت مغلقة سابقاً ساعد في إعادة تصنيف بعض الحالات التي كانت مسجلة كمختفين قسراً إلى وفيات داخل الاحتجاز.
لكن كشف الحقيقة يبقى خطوة أولى فقط. فالعدالة الانتقالية لا تُقاس بعدد الوثائق المكتشفة، بل بقدرة المؤسسات على تحويل هذه المعرفة إلى مساءلة وإنصاف وضمانات تمنع التكرار.
العدالة الانتقالية.. بين شمول الضحايا وخطر الانتقائية:
يمثل إنشاء هيئة العدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين عام 2025 تطوراً مؤسسياً مهماً في التعامل مع هذا الملف.
لكن التحدي الأساسي يكمن في طبيعة الولاية التي ستُمنح لهذه المؤسسات. فالعدالة الانتقالية، وفق مقاربة حقوقية، لا تقوم على اختيار الضحايا وفق هوية الجهة المسؤولة عن الانتهاك، بل على الاعتراف بكل الضحايا مع مراعاة حجم المسؤولية المختلفة بين الأطراف.
وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يمكن محاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى، وفي الوقت نفسه بناء نظام قانوني لا يعيد إنتاج منطق الانتقام أو العدالة الانتقائية؟
من الالتزام القانوني إلى اختبار التنفيذ:
على المستوى القانوني، يمثل التعذيب والإخفاء القسري والوفاة في الاحتجاز انتهاكات جسيمة لالتزامات سوريا الدولية، ولا سيما بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
كما تشير الأنماط الموثقة إلى احتمال انطباق وصف الجرائم ضد الإنسانية في حال توافرت عناصر الهجوم الواسع أو المنهجي ضد المدنيين، مع ضرورة تحديد المسؤولية الجنائية الفردية لكل حالة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود القواعد القانونية، بل في قدرة المؤسسات على تطبيقها. فالدولة التي تريد تجاوز إرث التعذيب تحتاج إلى أكثر من قوانين جديدة؛ تحتاج إلى قضاء مستقل، ورقابة فعالة، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن.
محكمة العدل الدولية.. مسار دولي لا يعوض المسار الداخلي:
يبقى الملف السوري حاضراً أيضاً أمام القضاء الدولي، بعد الدعوى التي قدمتها كندا وهولندا أمام محكمة العدل الدولية عام 2023 استناداً إلى اتفاقية مناهضة التعذيب.
وأصدرت المحكمة تدابير مؤقتة طلبت فيها من سوريا اتخاذ إجراءات لمنع التعذيب وحفظ الأدلة المرتبطة بالانتهاكات.
غير أن هذا المسار، رغم أهميته، لا يمكن أن يحل محل بناء مسار وطني للعدالة، بل يشكل عاملاً مكملاً له.
الخروج من زمن التعذيب لا يقاس بسقوط السجون:
تكشف تجربة سوريا أن نهاية منظومة سياسية لا تعني تلقائياً نهاية آثارها المؤسساتية. فالتحدي الأكبر ليس فقط إغلاق مراكز الاحتجاز القديمة، بل ضمان ألا تنتقل ثقافة الإفلات من العقاب إلى مؤسسات جديدة.
فالتعذيب كان أحد وجوه الحرب، لكنه أيضاً كان اختباراً لطبيعة الدولة نفسها. وإذا كانت سوريا الجديدة تريد بناء شرعيتها، فإن معيار النجاح لن يكون فقط في كشف الماضي، بل في ضمان ألا يصبح الماضي نموذجاً يعاد إنتاجه بأدوات مختلفة.
ويبقى السؤال المركزي: هل تتحول ملفات التعذيب والمفقودين إلى أساس لبناء دولة قانون، أم تتحول إلى جرح مفتوح يواصل تشكيل مستقبل سوريا؟