
حميدة.. تعالي يا بنتي
دخلتْ.. فنهضَ فارداً ذراعيه.. أسرعتْ نحوه وعانقته..، صرختْ.. أفلتَ منها وولى مسرعاً تاركاً الخنجر مغروساً في أحشائها. انحنت ْمتألمة وهي تقبض على وديعته، وراح الدم يلوّث ثيابها، فتقدّمتُ ونزعتُه، تراخت رجلاها وركعت..، فحملتها إلى المشفى وهي تنزف، وولدها يسألني: إنّها أخته، فلماذا يريد قتلها؟
في غرفة الإسعاف أفاد الطبيب أن الطعنة أصابت الشريان الأبهر البطني، ومزّقت الأمعاء. وفاقدة الوعي نقولها إلى جناح العمليات، ثم إلى العناية الفائقة. ونحن خلف الزجاج بدت الخراطيم موصولة بساعديها، وإشارة من صدرها بالكاد تنمّ عن بطء تنفّسها. همس: هل ستعيش..؟
تراءتْ لي عندما جاءت مستجيرة تطلب الحماية بعد أن رجعت هاربة وأخريات ممن اغتصبوهنّ. ذليلة ودامعة جلست تحكي قصتها. خمسة مسلحين خلعوا الباب، واقتحموا وحوشاً، حاول زوجي أن يقاومهم فقتلوه، وحزّوا رأسه أمامي وأنا أحضن طفلي؛ كي لا يرى ما يفعلون..، فتّشوا البيت.. اختطفوا ابني من بين يدي ورموه فوق جثة والده، واقتادوني إلى معسكرهم.
أربع نساء وطفلة لا تتجاوز الحادية عشرة عرّونا..، واغْتُصبْنا بلا رحمة. الصغيرة تخضّبت.. ونازفة ارتقت روحها إلى بارئها، أمّا الحامل فأجهضت وكادت تفارق الحياة. تناوبوا.. بخسة. رائحتهم تزكم الأنوف، وكانوا أشدّ قذارة من خنازير غادرت حظيرتها تواً، ولمّا سنحت لنا الفرصة إثر هجوم عليهم هربنا هائمات..، أرشدني رجل وزوجه إلى طريق ضيعتي. انتظرت حلول المساء وتسلّلت عبر زقاق إلى المنزل، وجدته خاوياً حيث تخيّم الظلمة، ويطبق عليه السكون. قصدت جارتي وابنة عمّي التي أخبرتني أن فلذة كبدي عند جدّه لأبيه، وإنْ رأوني ستكون نهايتي فلجأت إليك..
تذكّرتُ مظهر ذلك الفتى، ورغم صغر سنه خدعني بمعسول الكلام فصدّقته، لا بدّ أنّهم درّبوه جيداً، وأعطوه موسى مسمومة..، التهب الجرح ولم ينفع الترياق فقضت..، وكالعادة نال الجاني حكماً مخفّفاً فهو مازال حدثاً قاصراً، ومخدوعاً.
تقضّت الأيام..، والمقروص لم ينسَ..، وأنهى المحكوم عليه سجنه، وشبّ صغيرها محروماً من حنانها، فقرر أن يبارك إلى خاله..، طوّقه..، وتشمّم عطره.. ربّت على كتفه مهنئاً.. استل سكينه وطعنه في نحره، خضّها بقوة فشخب الأحمر قانياً.. أتذكرُ تلك.. التي أهديتها لأمّي؟! شهق.. تمايل..، استرخى جسده، وتداعى مضرجاً..
* زفر بن الحارث الكلابي