الدكتور أنس فتيح لـ نينار برس: انتصر السوريون على الاستبداد… والتحدي اليوم هو الانتصار للدولة والقانون

0 71

بين ذاكرة الثورة ومسؤولية بناء المؤسسات… هل تنجح سوريا في تحويل تضحيات السوريين إلى دولة عادلة للجميع؟

في مسار الشعوب الخارجة من الحروب، لا يكون سقوط الاستبداد نهاية المعركة، بل بداية الاختبار الأصعب: كيف تتحول التضحيات إلى مؤسسات؟ وكيف تنتقل المجتمعات من زمن الثورة والصراع إلى زمن الدولة والقانون؟

وسوريا اليوم تقف أمام هذا السؤال التاريخي؛ فبعد سنوات طويلة من الألم والتهجير والانقسام، لم يعد التحدي فقط في تجاوز الماضي، بل في بناء مستقبل قادر على حماية ما دفع السوريون ثمنه من دمائهم وأعمارهم.

ومن قلب تجربة شخصية ووطنية امتزج فيها العمل الطبي والمدني والحقوقي، يقدم الدكتور أنس فتيح، الناشط المدني من محافظة دير الزور ونائب مدير الصحة فيها، قراءة خاصة لطبيعة المرحلة الجديدة، مستنداً إلى سنوات من العمل العام ومتابعة قضايا الضحايا والمفقودين والحراك المدني.

يرى فتيح، في حديث خاص لـ”نينار برس”، أن الاحتجاجات والاعتصامات التي تظهر اليوم لا يمكن اختزالها باعتبارها مجرد تحركات مطلبية، بل هي جزء من التحول الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه السوريون بعد مرحلة طويلة من الصراع.

الاحتجاجات… مرآة لتحول المجتمع السوري:

يقول الدكتور أنس فتيح:

“يمكن فهم عودة الاحتجاجات والاعتصامات في عدد من المناطق السورية عبر شقّين رئيسيين مرتبطين بطبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها البلاد بعد مرحلة التحرير.”

ويشرح أن التحول الأول يرتبط بالمجال العام:

“انتقلت سوريا من مرحلة طويلة من تقييد الحريات ومنع التعبير والتظاهر إلى حالة انفتاح واسعة في الفضاء العام، وهذا التحول المفاجئ خلق واقعاً جديداً يتمثل في اتساع هامش الحرية، وما قد يرافقه أحياناً من ممارسات تميل إلى المبالغة في استخدام هذا الحق نتيجة الانتقال السريع من بيئة مغلقة إلى بيئة مفتوحة.”

أما التحول الثاني فيرتبط بتجربة السوريين الذين عاشوا سنوات الثورة أو اللجوء خارج مناطق سيطرة النظام السابق.

ويقول:

“هذا الجزء من المجتمع اكتسب خبرة تراكمية في التنظيم والتعبئة والتجمع وإيصال الرسائل السياسية، وأصبح يمتلك أدوات حراك أكثر نضجاً، ما يجعل اللجوء إلى الشارع بالنسبة له امتداداً طبيعياً لخبراته السابقة في العمل العام.”

ويرى فتيح أن اختلاف التجارب داخل المجتمع السوري يفسر اختلاف أشكال التعبير اليوم:

“المشهد الحالي يعكس وجود مجتمعات داخل المجتمع السوري نفسه، بتجارب تاريخية واجتماعية مختلفة، وهذا ينعكس على طريقة التعبير عن المطالب والمواقف.”

سيادة القانون… الطريق بين العدالة والاستقرار:

في ملف العدالة الانتقالية، يضع الدكتور أنس فتيح القانون في مركز المعادلة.

ويقول:

“تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار والسلم الأهلي من جهة، وضمان المحاسبة ومنع إعادة إنتاج النفوذ السابق من جهة أخرى، يقوم أساساً على مبدأ واحد محوري هو سيادة القانون.”

ويحذر من خطورة غياب المرجعية القانونية:

“غياب القانون أو تهميشه يؤدي إلى انزلاق المجتمع نحو حلول بديلة خارج إطار الدولة، مثل الانتقام الفردي أو الثأر أو المعالجات غير المؤسسية، وهو ما يهدد السلم الأهلي ويفتح الباب أمام الفوضى.”

ويؤكد أن العدالة لا تعني الانتقام:

“الحل الحقيقي يكمن في جعل القانون المرجعية العليا، بحيث يحقق معادلة دقيقة: استرداد الحقوق، وإنصاف المتضررين، وفي الوقت نفسه منع الظلم أو التجاوز بحق أي طرف.”

ويرى أن المحاسبة يمكن أن تأخذ أشكالاً متعددة:

“المحاسبة ليست نموذجاً واحداً، بل تتدرج في أشكال متعددة، تشمل العقوبات السالبة للحرية مثل السجن، أو العقوبات المالية مثل الغرامة، أو القيود السياسية مثل منع تولي المناصب العامة، وصولاً إلى مستويات اجتماعية من العزلة، وذلك بحسب طبيعة الفعل المرتكب وثبوته قانونياً.”

الشارع ليس أزمة… بل نتيجة غياب المؤسسات الفاعلة:

يرفض فتيح التعامل مع الاحتجاج باعتباره مشكلة بحد ذاته، ويرى أنه إحدى أدوات التعبير في المجتمعات الطبيعية.

ويقول:

“اللجوء إلى الشارع ليس فعلاً سلبياً بذاته، بل هو جزء من أدوات التعبير المعترف بها في العديد من التجارب الديمقراطية حول العالم، ويُعد أحد أشكال الضغط المشروع عندما تُستنفد القنوات الأخرى أو تُغلق.”

لكنه يؤكد أن بناء المؤسسات القوية هو ما يقلل الحاجة إلى التصعيد.

ويقول:

“تفعيل المؤسسات التشريعية مثل مجلس الشعب بشكل حقيقي وفاعل من شأنه أن يخفف بشكل كبير من اللجوء إلى الشارع، عبر توفير مساحة تمثيلية تُطرح فيها القضايا وتُناقش ضمن أطر رسمية قادرة على المعالجة.”

ويضيف:

“الاستجابة المرنة والمتدرجة تشكل عنصراً حاسماً في احتواء الاحتجاجات، فكلما كانت هناك قدرة على الاستماع والتفاعل، انتقل التعبير عن المطالب عبر مراحل أكثر هدوءاً وتنظيماً.”

من الثورة إلى الدولة… الاختبار السوري الأكبر:

في خلاصة رؤيته، يرى الدكتور أنس فتيح أن السوريين خاضوا معركة تاريخية ضد الاستبداد، لكن المعركة الجديدة هي بناء الدولة التي تحفظ معنى ذلك الانتصار.

فالثورة، بالنسبة له، لم تكن فقط لحظة احتجاج، بل كانت بحثاً عن دولة مختلفة؛ دولة القانون والمؤسسات والعدالة.

ويبقى السؤال المفتوح أمام سوريا الجديدة:

هل تنجح الدولة في تحويل ذاكرة الثورة وتضحيات الضحايا وخبرة المجتمع المدني إلى مؤسسات عادلة يشعر معها السوري أن الحرية التي دفع ثمنها أصبحت واقعاً يحميه القانون، أم أن بناء الثقة سيبقى التحدي الأكبر في الطريق من إسقاط الاستبداد إلى تأسيس الدولة؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني