دور الخطاب الديني في وقف التحريض وخطاب الكراهية

0 33

انعقد في فندق الـ «داماروز» بدمشق 9 و10 حزيران مؤتمر السلم الأهلي في سوريا بعنوان «السلم الأهلي مسؤولية مشتركة».

المجتمع المدني والقيادات الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى مشاركة مهمة للدولة وتمثلت بوزارة الأوقاف ووزارة الثقافة والفتوى العامـة وإدارة مهمة للمؤتمر عبر اتحاد الكنائس الإنجيلية.

شارك عدد من نواب مجلس الشعب القديم والجديد، وعدد من رجال الدين وفقهاء الشريعة، إضافة إلى مشاركة مميزة للدكتور برهان غليون وشخصيات ثورية سورية تحظى بالاحترام.

كانت ورقتي للمؤتمر بعنوان دور الخطاب الديني في وقف التحريض وخطاب الكراهية، وهو أخطر ما تواجهه سوريا في هذه الأيام العصيبة، وهو ما يؤثر سلباً على كل برامج التنمية في سوريا.

لقد أراد المنظمون أن يستمعوا إلى الرأي الديني الرسمي والشعبي، وتشاركنا بالفعل مع ممثلي الأوقاف والفتوى ووزارة الثقافة مواقف ملهمة من الإخاء الإسلامي المسيحي، وكذلك التحديات الاعتقادية والدينية داخل المجتمع المسلم.

وفي المؤتمر قدمت الرواية السلفية بتبسيط شديد حين قال أحد المتحدثين: علينا أن نتحدث الحقيقة كاملة، نحن إخوة في الوطن ولكننا نوعان مسلمون وكافرون، ويجب أن أكون صادقاً مع أخي في الوطن المسيحي (وكذلك بالطبع الطوائف المنحرفة في الاعتقاد) بأنني أنظر إليك ككافر، وهذا ليس شتماَ ولا انتقاصاً، بل هو نصف الحقيقة الغائب، وإذا ما قلت للمسيحي أو للفاسد في الاعتقاد أنت مؤمن فانا أخدعه، لأنه سيفتح القرآن ويرى أن القرآن يعتبره كافراً، لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة!

ثم أضاف مشيراً لأحد الآباء المسيحيين المشاركين: أنت كافر ومصيرك النار، هذه عقيدتي، وهي أيضاً عقيدتك في، ولكنني لن أظلمك شيئاً في الدنيا وستبقى شريكي في هذا الوطن إلى أن نلقى الله!!

وقال: لا تتحسسوا من كلمة الكفر، ولو قلتم لي إنني كافر بصلب المسيح مثلاً، فلن يسوءني ذلك، أنا بالفعل كافر بصلب المسيح وأحترم رأيك.

قلت للمؤتمر: أيها السادة.. التكفير ليس مزحة ولا كلمة مرح نتبادلها، نتكافر ساعة ونتعاشر ساعة!!! الكفر كلمة سلبية جداً، ولها تبعات ومسؤوليات دينية وجزائية، ونحن مأمورون بمقاتلة الكفار، ولو فتحت القرآن فستجد فيه أيضاً يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم، واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب!!!

فإذا كان هذا جزاء الكافر في القرآن الكريم فماذا نتوقع أن يكون له من حقوق المواطنة والجوار؟ لا شيء بالطبع، لا تعايش مع الكفار!

فهل نكون عند ذلك نقلنا الحقيقة الكاملة ولم نخدعهم؟؟

قلت لهم أنا أرفض أن يسمى أي شريك في الوطن كافراً، سواء كان من المسيحيين أو من الطوائف المسلمة خارج أهل السنة.

الكفر لا يطلق في القرآن إلا على العدو المسلح المحارب، أما المسيحيون فقد اختار لهم القرآن اسماً كريماً وناداهم باحترام يا أهل الكتاب وليس يا أيها الكافرون.

وأما إخوتنا في الوطن من المسلمين الذي يختلفون عنا في العقيدة فعلينا أن نسأل سؤالاً واحداً هل تقولون لا إله إلا الله، فإن قالوها فلا يجوز لأحد تحت السماء أن يذكرهم بكلمة الكفر، بعد أن قال رسول الله من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، من قال لا إله إلا الله فهو المسلم، قال أبو ذر، وإن زنا وإن سرق، قال عليه الصلاة والسلام: نعم وإن زنا وإن سرق وإن رغم أنف أبي ذر!!

التكفير أخطر مشكلة في المجتمع الإسلامي، والموقف المطلوب من الدولة هو إصدار قانون يحرم تكفير الناس والتحريض ضدهم بأعيانهم أو مذاهبهم أو طوائفهم.

ولا بأس بعد ذلك أن يتحاور الفقهاء من سلفية وصوفية وسنية وشيعية وعلوية ودرزية، تحت حماية الدولة وحراستها للجميع، وفق القاعدة القرآنية: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

السلم الأهلي غاية ورسالة ولا يمكن أن يقوم إلا ببناء المحبة والثقة بين الناس، والمجتمع المرتاب مجتمع عاجز ولن تسعفه قوافل التنمية والبناء.

مبادرات جميلة قدمتها الأوقاف لضبط الخطاب الديني ومنع التحريض، وقد أصدرت أخيراً ميثاقاً خاصاً لمنع كل أشكال التحريض على المنابر، كما قامت بعزل أشخاص مارسوا التحريض على المنابر.

طالبت بمراجعات عميقة لفقه الآخر في التراث الإسلامي، وأن ما قدمه السلف من مواقف تخص الآخر ليس ملزماً للخلف، بل العودة إلى جوهر القرآن الكريم القائم على منطق الرحمة للعالمين، والمستوعب لكل اختلاف ضمن دائرة قوله تعالى ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً.

السلم الأهلي له أسباب كثيرة ولكنه في هذه المرحلة مسؤولية مباشرة لرجال الدين، ويجب الاعتراف بأننا نعيش اختلافاً شديداً في الموقف من الآخر، وبالتالي نتسبب في انتشار الذعر والريبة في المجتمع السوري وهو ما يهدم آمال السلم الأهلي.

ونتجه الآن لجعل هذا الحوار منصة دائمة للسوريين، وتوسيع المشاركة فيه بحيث نتصل بأصحاب الآراء المتشددة مهما كانت مقولاتهم، فالتشدد سيتفكك بالحوار واللقاء، ولن تزيده العزلة إلا تشدداً وسوء ظن.

كان اللافت في المؤتمر مشاركة اللوبي الأمريكي السوري، وحماسة توم باراك للمؤتمر الذي شارك بكلمة مصورة وكذلك عدد من النواب في الكونغرس الأمريكي ما يعكس جدية أمريكية في متابعة الحوار الوطني السوري، وبالتالي البناء عليه.

لم يبلغ المؤتمر أن يكون حواراً وطنياً شاملاً وإنما حاول ذلك، وقاربه، ولم نبلغ أن نعالج وجع الناس وهمومهم في الغلاء والمعيشة والفقر، وكذلك المواجهة المباشرة مع تحديات إعادة الإعمار، ومن السذاجة تصور أن مشاكل سوريا يعالجها مؤتمر، مهما كانت نوعية المشاركين فيه.

المؤتمر فتح الباب لسلسلة كبيرة من اللقاءات ستتم في سوريا وفي مناطق مختلفة، وأهم ما فيه أنه نضال مجتمع مدني يتعاون مع الدولة، ويؤمن بكل السوريين شركاء كاملين في بناء دولتهم.

والأهم تحويل توصيات المؤتمر إلى مشاريع قوانين تناقش في مجلس الشعب وتكون في النهاية ملزمة للحكومة والناس على السواء.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني