
الديمقراطية والدين
يذهب كثيرون من أصحاب التيارات الدينية السياسية إلى تحاشي مفهوم الديمقراطية، وذلك لأنه مفهوم غربي مجتلب، ولم يخرج من صلب دائرة الإسلام السياسي وتجربته الممتدة عبر مئات السنين. أي هم يرونه مفهوماً تغريبياً بعيداً عن المورد الإسلامي ولا يخدم أصوله السياسية. فهم يستندون إلى غنى المعجم السياسي الإسلامي بمفاهيمه التي تغني عن الاجتلاب غير المفيد، ولا سيما أن الدولة الإسلامية، أو الدول الإسلامية عبر تاريخها الطويل الممتد من عصر النبوة إلى نهاية عصر الخلافة مع ذهاب ريح الخلافة العثمانية وزوال دولتها، قد عرفت مفهوم الشورى، ومفهوم البيعة، ومفهوم الاستخلاف، وغيرها من المفاهيم التي تقع ضمن هذه الدائرة السياسية الاصطلاحية، وهي مفاهيم تفي بتحقيق العدالة والتمثيل السياسي الصحيح.
وهذا التوجه جعلها في خصومة دائمة مع التوجهات السياسية الأخرى التي تعرفها الساحة السياسية العربية خاصة والإسلامية عامة. وهذا ما يظهر جلياً مع أصحاب التوجهات القومية، أو العلمانية/المدنية، أو الاشتراكية، وغيرها من التيارات السياسية المعاصرة. فالإسلاميون اليوم يعيشون حالة من حالات الخصومة والتناحر الذي قد يصل حد الاحتراب والتصادم العنيف مع هذه التيارات. وكل منهم يتهم الآخر بالانحراف أو التخلف، أو الاستبداد وغير من مفردات التلاعن السياسي.
لكن بالمقابل من هذا التوجه نجد أن ثمة تيارات إسلامية أخرى، ولا سيما التيار الأصولي الفقهي، الثقافي غير السياسي، أي من المنظرين غير الحزبيين، وإنما من المهتمين بالنظرية السياسية الإسلامية [الإسلام دين ودولة] هؤلاء لا ينكرون القول بالديمقراطية، انطلاقاً من قاعدة لا مشاحة في الاصطلاح؛ إذ لا مشكلة في المصطلح وإنما التعويل على مفهومه الاصطلاحي ودلالته السياسية الشرعية. ولذلك نجد عالماً أصولياً جليلاً له قدره في وسط التنظير السياسي الديني والتفسير الفقهي وعلم الأصول والاختلاف، مثل الشيخ الدكتور (عدنان زرزور) يرى في كتابه [جذور الفكر القومي والعلماني، ص20] أن الإسلام دين الديمقراطية والعدالة؛ إذ يقول: “وغني عن البيان أن الشورى والديمقراطية، ورفض الاستبداد بجميع صوره وأشكاله، تعد من أبرز سمات المشروع الإسلامي، أو من أركانه الأساسية”.
والملاحظ في قول الشيخ الأصولي أن الديمقراطية والشورى صنوان في المفهوم وإن اختلفا في التسمية والمصطلح، بمعنى أنه اختلاف حروف ولفظ وترجمة لا اختلاف دلالة ومفهوم. بل إنه يعتقد جازماً بأن الإسلام أولى بهذا المفهوم وأنه كان الأسبق في تبني معانيه منذ عصر النبوة، “على لسان خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعليهم أجمعين” [ص20].
وليس ذلك وحسب بل إن الشيخ عدنان يدعو إلى مشاركة القوميين – والعلمانيين من دون أن ينص على تسميتهم – في المشروع الإسلامي السياسي، بغية “عمل الجميع في المشروع الحضاري العربي الإسلامي” من أجل:” البحث في الصيغ المناسبة لإخراج هذه القيم إلى حيز الوجود، سواء أكانت صيغاً مستعارة أم مستحدثة، قديمة أو معاصرة” [ص21].
ويفرق الشيخ عدنان زرزور بين أمرين أساسيين في النظرية السياسية، وهما الإسلام والتراث الإسلامي، ثم يبني على هذه التفرقة قاعدة أصولية – والأحرى يؤكدها لأنها قاعدة قديمة – وهي أن ما يحكم الدولة هي التراث الإسلامي لا الإسلام – القرآن والسنة – أي أنه إذا كان النصين القرآني والنبوي غير تاريخيين، فإن فهمنا وفهم الأجيال لتلك النصوص هو تراث إسلامي تاريخي؛ ويحدد الشيخ أن تاريخية قراءة النص وتأويله وفهمه حسب الزمان والواقع هو ما يجب ألا ينقطع وأن يظل مستمراً في تشييد الحياة السياسية، ويؤكد على أن مقولة جمود النص وفرضه على كل زمان وجيل هي تهمة علمانية لا حقيقة إسلامية. وكأن الشيخ يريد تأكيد أن التشدد في حرفية النصوص هي وجه آخر من وجه الاستبداد للتيارات السياسية الأخرى [ينظر: ص 26].
بل إن الشيخ عدنان يؤكد على ضرورة التعاضد بين التيارات العربية السياسية المختلفة، من قومية عروبية وإسلامية [ص28]، بغية التحرر مما يسميه بالثالوث الخطير: الاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، والعمالة الحضارية [ص33]. فيرى أن ذلك يتم عبر التعددية السياسية وتحقيق قيم العدالة والمساواة في المواطنة.
وعلى الرغم من أن الشيخ تجنب التطرق إلى أن ممارسات الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي وتهميش قيم العدالة يمكن أن تقع من التيارات الإسلامية كما تقع من غيرها، وأن ما دعا إليه لا تنكره ولا ترفضه التيارات القومية ولا العلمانية، لكنه قد حاول تأصيل قيم الديمقراطية والعدالة والمساواة بوصفها قيم ضرورية لنجاح أي عملية سياسية، وأن غياب مفاهيمها بحجة غربية مصطلحها وترجمته هي حجة واهية تمهد لهدم أي تجربة سياسية.
ولذلك، فالمطالبة بمفهوم الديمقراطية – بناء على قول الشيخ – هي مطالبة ضرورية محقة، ولا يجوز تجاوزها أو التخلي عنها بدعوى أنها اصطلاح غريب مجتلب. ولقد جاء في الحديث المشهور: “الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها التقطها، وهو أولى بها”. وهذا ما عناه الشيخ في قوله بضرورة “التفاعل الحي مع ثقافات الأمم والشعوب” [ص26].
إذن: علينا ألا نتعجل في محاربة قيم السياسة المعاصرة، وأن نتريث ونبحث؛ فإن وجدناها تخدم مقاصد مشروعنا السياسي المعاصر، وهي: الديمقراطية، والعدالة، ورفض الاستبداد والظلم الاجتماعي، علينا حينها أن نأخذ بها وندافع عن حقنا فيها. ويحق لنا وقتها أن نرفع الصوت ونشكك بدين من يريد أن يحرّمها علينا؛ فهو المتهم لا نحن.