المعارضة والاحتجاجات والمطالبات في الميزان الثوري والمنطقي

0 25

في سورية التي تم إخضاعها على مدى عقود لنظام حكم طائفي وظيفي دكتاتوري حتى اندلعت الثورة السورية العظيمة، وقد واصل الشعب السوري الثائر نضاله الذي تحوّل إلى حرب تحرير حتى انتصر وتمكن من طرد رئيس النظام السابق وقيادته.

ولقد أصبحنا اليوم في سورية الجديدة ونحن نعيش مرحلة انتقالية، وقد تصدّر لإدارة هذه المرحلة قيادة مؤقتة، وإنه من الطبيعي وكما كنّا نتوقع فقد ظهرت ونمت وتكالبت مشاريع الثورة المضادة وهي تتضمن وتشتمل على:

1- فلول النظام وبقايا أنصاره وحاضنته من عسكره وموظفيه والمستفيدين من وجوده.

2- أوساط وجماعات الطوائف والإثنيات، والتي كانت بشكل عام وواضح مصطفة مع النظام ضد الثورة وهذا توصيف دقيق رغماً عن الجميع، لأنه يؤكد ذلك وقائع ووثائق وإحصائيات وبيانات وحسب مصادر مختلفة وحيادية.

3- بعض التيارات التي تدّعي العلمانية أو تصوّر نفسها على أنها أحزاب وتيارات سياسية، ولها رؤيتها وتعارض القيادة الحالية وتعترض على نهجها.

4- معارضة حقيقية وهي من نفس مكون الأغلبية وهي نخب وثوار وحاضنة الثورة السورية وهؤلاء لهم مآخذهم وملاحظاتهم وانتقاداتهم ضد القيادة التي تصدّرت المشهد، ولهم مطالب بعيدة وقريبة وهم متمسكون بكامل أهداف الثورة السورية التي تمّت التضحية بملايين الشهداء والجرحى والمهجرين، علاوة على تدمير البلاد وكل ذلك من أجل انتصار الثورة وإزالة النظام الوظيفي المتسلط.

وبعد تفصيل وبيان أطياف وشرائح وتيارات وتوجهات الشعب وأمام معطيات وإحداثيات الواقع وعلى ضوء الناتج الفعلي لسياسة وممارسات وبرامج القيادة الحالية المؤقتة فإن المشهد والواقع يقول: لقد بدأت التذمّرات ثم أصبحت احتجاجات ثم أخذت تتراكم حتى انفجرت على شكل مظاهرات أو حراك شعبي في الشارع وشعارات ولافتات وإعلام معارض.

فما هو موقف نخبة الحاضنة الثورية؟

أولاً: بشكل جازم لا يمكن قبول التهم والتخوين والمزايدات لأنه لا مزايدة ولا جدال ولا طعن ولا تجاهل ولا إبخاس قدر وتقليل أهمية بوجه وبحق شعبٍ عظيم ثار وناضل وحارب وضحّى بشكل غير مسبوق عبر التاريخ.

ثانياً: ولحسم الجدل فسوف نضع القضية وعناصرها في الميزان الثوري، والذي معياره مبادئ وأهداف الثورة، وكذلك في ميزان المنطق، والذي معياره العقل والقانون والعرف والمصلحة العامة والعليا، وبذلك نكون تحت مرجعية حاكمة، وتطبيقاً لكل ما تقدّم فسوف نضع الملاحظات والأسئلة والإشكالات والاتهامات كلها في الميزان الثوري والمنطقي:

1- هل المطالب المعيشية والخدمية تثلم وتخدش جوهر الثورة؟ وهل المطالبة بتحسين الدخل وتأمين فرص عمل وبتأمين المواد المعاشية الأساسية يهبط بمستوى الثوار ويُخرج الثورة عن مسارها ومبادئها وأهدافها؟

هل أن المطالبة بشؤونٍ معيشية تلغي ثورة الكرامة والحرية وتجعلها ثورة جياع وصعاليك ووصوليين وانتهازيين!؟

هل يجب على الشعب السوري الثائر أن يترفّع عن هذه المطالب الخدمية والمعاشية لأنه هو كائن استثنائي أكبر من ذلك!!؟؟

2- هل أن كل شخص اعترض على الحكومة وانتقدها هو قطعياً وبلا شك ولا جدال هو عدو وخائن وعميل!؟ وهل أن كلّ شخص طالب بتأمين خدمات ومواد معيشية أساسية هو جبريّاً يساوي فلول النظام المخلوع؟ أو ثورة مضادة أو مشاريع تآمر وخيانة وتمرد وانفصال!؟

3- هل أنه لا يحق لأحد أن يطالب في أي مسألة إلا إذا كان ثائراً محارباً اقتحامياً وكان به إصابة أو إعاقة تثبت ذلك؟ وهل أن الذين تهجّروا إلى الخارج قسراً أو هاجروا رغبة لا يحقّ لهم المطالبة أو إبداء الرأي!؟

بالطبع إن جميع الاستنكارات الآنفة الذكر هي باطلة وغير صحيحة وغير منطقية وعادلة حيث أنه – وسبق أن كتبنا سابقاً – قلنا في صلب الثورة وجوهرها، إن الثورة السورية مثلها مثل جميع ثورات الشعوب، هي صراع طبقي يندلع ضد الظلم والحيف والفساد، وتهدف إلى تحقيق العدل والمساواة وتأمين التقدم، ولكن بسبب أن النظام تمّ تصميمه طائفياً فقد تحولت الطائفة إلى الطبقة المتسلطة، ولهذا السبب اكتسبت الثورة الصفة الطائفية وبسبب ممارسة النظام المافيوي للجرائم والقمع والإذلال فقد أصبحت الثورة ضد الإذلال والإذعان، واكتسبت صفة الشرف والكرامة.

أما في حقيقة الأمور فإن الثورة لا تقتصر على الأمور المعنوية والفضائل، وتبتعد عن الأمور المادية، لأن الأمور المادية والمعاشية والخدمية هي من أبرز متطلبات الإنسان وأهدافه، وهي من أقوى دوافعه وأسباب تكيّفه.

كما أن كامل الحقوق الطبيعية والبدهية والأساسية هي من حق جميع السكان والمواطنين، والمطالبة بها هي حق أساسي للجميع.

لا يحق ولا يجوز أبداً أن نتهم المنتقد والمحتج والمتظاهر ونصفه بأنه فلول نظام، أو شبيح، أو عميل، أو عدو، وإذا فعلنا ذلك، فإننا نكون قد قلّدنا النظام الإجرامي الشمولي المخلوع، حيث كان يحضّر ويهيّئ تهمة الرجعية والعمالة والتواصل مع جهات أجنبية، وتهمة (الإخوان المسلمين)، ويهدّد بالمرسوم 66.

كما أننا لا يحقّ ولا يجوز لنا أن نتذرع ونتهرّب ونبرّر بأن البلاد مدمرةٌ وخرجت من حرب، وأن هناك مؤامرات وأعداء كثيرين من جميع الجهات، لأننا بذلك نكون قد كرّرنا سلوك النظام المخلوع، وما سمي زوراً “محور الصمود وخطاب المقاومة والممانعة”.

وتعاطياً مع الحراك والمظاهرات، فقد هبّت حملة هائجة من الشتم والتخوين، ومعظمها يقول هذا شبيح وذاك مجرم من الفلول، وهؤلاء كانوا ضباطا وناشطين وهذا كان مخبراً ومن هذا القبيل.

لكن في الواقع هذا غير مقبول، فمن الذي قرّر وحكم عليهم؟ وإذا كان لدينا قاعدة بيانات ونعرف كل شيء عن المجرمين فلماذا نحن ممتنعين عن إلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم؟

إذاً، إن المطلوب هو الفصل التام والواضح بين (المطالب بحقوق مشروعة وأساسية، وبين المطلوب للعدالة والمحاسبة).

ونقول: نحن مع بناء الدولة واستقرارها، ونحن مع المطالب المشروعة والعقلانية، ولكن نحن ضد التواصل والتنسيق مع دول وجهات أجنبية، وخاصة المعادية. ونحن ضد الفوضى والدعوة إلى الانفصال تحت مسميات مموهة ومخادعة.

ولكن هذا ليس من واجب الحاضنة ولا يصحّ أن يواجه شارع شارعاً آخر، ولا يجدي ويفيد المزايدات والمبارزات والتسلّح بالشارع وبشرائح المجتمع، بل إن هذا وضبط الأمور من واجب الحكومة حصراً.

الحكومة يجب عليها الحوار البناء والخطاب الموثوق، وصحيح أنه يجب على الحكومة الاستناد إلى الحاضنة الشعبية للثورة، ولكن ذلك من خلال مؤسسات ديمقراطية ومهنية وإدارية ويجب عليها كسب ثقة الشعب من خلال المصداقية والشفافية.

أما بخصوص الفلول والشبيحة فيجب محاسبتهم بشكل قانوني مهني، وهذا رأس مطالب الأغلبية.

إن منع التظاهر وامتصاص الغضب والاحتجاج يتمّ من خلال قيادة عادلة وحازمة، تعمل عن طريق مؤسسات وكوادر مؤهلة لتحقيق الأمن والاستقرار، ثم لتأمين الأساسيات المعاشية، ثم الحوار والعمل المهني والعلمي الجاد، لتحقيق المصالح الوطنية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني