السوريون في ألمانيا: كيف يُعيد الفن بناء الإنسان بعد الحرب؟

0 46

من حمص إلى المسارح الألمانية… رحلة أنيس حمدون من فقدان العين إلى استعادة المعنى

في الخامسة عشرة من عمره، وقف أنيس حمدون أمام جده، المخرج المسرحي والكاتب الراحل فرحان بلبل، ليقول جملة ستلخّص لاحقاً مسار حياته كله: “أريد أن أصبح مخرجاً وأن أكمل مسيرتك”

لم تكن تلك لحظة مراهقة عابرة، بل بداية مسار طويل تشكّل بين المسرح والحرب والمنفى، قاده من خشبات المسرح في حمص إلى المسارح الألمانية، ومن التجربة الفنية إلى اختبار قاسٍ للنجاة، ثم إلى محاولة إعادة تعريف معنى الفن نفسه بعد الحرب.

من المسرح إلى الشارع… ومن الشارع إلى الحرب:

يقول المخرج السوري أنيس حمدون إن علاقته بالمسرح ليست مهنة اختارها لاحقاً، بل امتداد لتكوين عائلي وفني مبكر. فقد نشأ في بيئة مسرحية وتدرّب على يد جده فرحان بلبل، قبل أن يعمل معه في سوريا ضمن سياق مسرحي محلي.

لكن هذا المسار الفني تداخل لاحقاً مع التحول السياسي في البلاد. مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شارك حمدون في الحراك في حمص، معتبراً أن ما يجري هو لحظة تغيير لا يمكن تجاهلها.

في تلك الفترة، لم يعد الفن بالنسبة له معزولاً عن الواقع، بل أصبح جزءاً من الشارع نفسه، ومن الأسئلة الكبرى حول الحرية والعنف والتحول.

الخالدية: لحظة الانكسار الأولى

في حي الخالدية بحمص، تعرّض حمدون لإصابة خلال قصف مباشر استهدف المدنيين بعد مظاهرة.

يروي أن القصف لم يكن حدثاً منفرداً، بل تكرر بطريقة مزدوجة: قذيفة أولى استهدفت المكان، ثم قذيفة ثانية سقطت على تجمع الناس الذين حاولوا إسعاف الجرحى.

“كانت القذيفة الثانية تسقط على من يحاول إنقاذ المصابين.”

في تلك اللحظة، أُصيب حمدون إصابة بالغة، أدت إلى فقدانه إحدى عينيه، وإلى إصابات جسدية معقدة، إضافة إلى اضطرابات طويلة في التوازن والرؤية.

لكن، كما يقول، الخسارة الأعمق لم تكن جسدية.

“الخسارة الحقيقية كانت في أصدقائي… الذين فقدتهم في القصف أو الاعتقال أو الموت.”

من حمص إلى المنفى: القاهرة ثم ألمانيا

بعد الإصابة، تنقّل حمدون بين مشافٍ ميدانية في حمص ودمشق، في ظروف سرية، قبل أن يغادر سوريا إلى القاهرة، ثم إلى ألمانيا عام 2013.

في القاهرة، لم يجد استقراراً قانونياً أو صحياً يسمح له بالبقاء، ما دفعه لاتخاذ قرار المغادرة نحو ألمانيا، التي كانت بالنسبة له خياراً عملياً للنجاة وإعادة البناء.

ألمانيا: من البداية الصفر إلى المسرح الأوروبي

بعد أسابيع قليلة من وصوله، بدأ حمدون العمل في المسرح مع فرقة بريطانية، رغم آثار الإصابة.

يصف تلك المرحلة بأنها كانت انتقالاً من “الانهيار إلى الفعل”، إذ لم ينتظر طويلاً ليبدأ مشروعه الفني الأول في بلد جديد ولغة جديدة.

لاحقاً، بدأ في كتابة وإخراج أعمال مسرحية تستند إلى ذاكرة الحرب السورية، خصوصاً حمص وحي الخالدية، قبل أن تحقق أعماله حضوراً في مهرجانات أوروبية، وتحصد اهتماماً نقدياً وجوائز.

ومن أبرز تلك المحطات حصوله على جائزة عام 2016 عن أحد أعماله المسرحية ضمن فضاء الدول الناطقة باللغة الألمانية (ألمانيا، النمسا، وسويسرا)، إضافة إلى جائزة من مجلة “ناخت كريتيك” عن مسرحيته “الرحلة”، وجائزة من مهرجان خليج نابولي السينمائي 2024 عن فيلمه “تشيخوف”، ما عزز حضوره كصوت مسرحي وسينمائي سوري في أوروبا.

“صار في سؤال: من هذا الشخص الذي جاء من الحرب ويقدّم هذا العمل؟”

الفن كعلاج: حين يتحول المسرح إلى مساحة شفاء

في تجربته، لا يرى حمدون الفن كأداة تعبير فقط، بل كمساحة علاج نفسي واجتماعي.

يعمل ضمن ما يُعرف بـ“العلاج بالدراما”، حيث يُشرك أشخاصاً عاشوا الحرب والصدمات في أعمال مسرحية، ليس كمشاهدين بل كمشاركين في السرد.

الأمهات، الناجون من الاعتقال، والنازحون، جميعهم يجدون في هذا الشكل الفني مساحة لإعادة رواية تجاربهم.

“نحاول نعطي الناس صوتها… نخليهم يحكوا قصصهم بدل ما تبقى مدفونة.”

هنا، تتحول التجربة الفردية إلى سردية جماعية، ويصبح المسرح مساحة لإعادة بناء المعنى، لا فقط عرض الألم.

الهوية: بين ثلاث ثقافات وتعريف واحد مفتوح

يرى حمدون أن هويته لا يمكن اختزالها في انتماء واحد، خاصة بعد سنوات طويلة قضاها في ألمانيا، حيث أصبحت البلاد جزءاً من حياته اليومية وتجربته المهنية والإنسانية.

لكن هذا الحضور الأوروبي لا يلغي جذوره السورية، ولا ارتباطه الثقافي والعائلي بإيطاليا، ما يجعله يعيش حالة تقاطع بين ثلاث فضاءات ثقافية متداخلة.

“أنا سوري، ألماني، إيطالي… أو ربما لست أيّاً منها بالكامل.”

ورغم هذا التعدد، يبقى الفن بالنسبة له هو التعريف الأكثر ثباتاً واستقراراً، بوصفه اللغة التي تختصر تجربته وهويته ومساره.

النجاح والجائزة: حين يتحول الألم إلى خطاب جماعي

بالنسبة لحمدون، لم يكن النجاح الفردي منفصلاً عن التجربة الجماعية.

فالأعمال التي قدمها لم تكن فقط سيرته الشخصية، بل سرداً لتجربة جيل كامل من السوريين الذين عاشوا الحرب واضطروا للبدء من الصفر داخل سوريا وخارجها.

في ألمانيا، يلفت إلى أن معيار النجاح كان مرتبطاً بجودة العمل لا بالخلفية أو العلاقات.

“هنا العمل هو اللي بيحكي عنك… مو اسمك أو مين تعرف.”

ويرى أن الجوائز التي حصل عليها لم تكن تتويجاً شخصياً فقط، بل اعترافاً بمسار كامل.

الحاضر والمستقبل: حمص التي لم تغادره

رغم سنوات الغياب، يؤكد حمدون أن حمص لم تغادره لحظة واحدة.

“أنا خارج حمص… لكن حمص ما خرجت من قلبي.”

بعد ما يسميه “تحرير سوريا”، عاد مطلع 2026 إلى حمص، حيث نفّذ ورشات في السينما المستقلة، وقدّم عروضاً فنية وأفلاماً وثائقية.

لكن العودة ليست سهلة. فلا بيت يعود إليه، ولا بنية إنتاج فني مستقرة، ولا تمويل يسمح بالاستمرارية.

“أنا فنان… مش تاجر عنده رأس مال.”

ورغم ذلك، يصر على أن حلمه الأساسي هو إعادة المسرح والسينما إلى حمص، ليس كمشروع نخبوي، بل كجزء من الحياة اليومية.

المسرح كذاكرة ونجاة:

في نهاية رحلته، لا يبدو أن أنيس حمدون يتحدث فقط عن فنان نجا من الحرب، بل عن إنسان يحاول إعادة تعريف معنى النجاة نفسها.

من الخالدية إلى برلين، ومن فقدان العين إلى خشبة المسرح، تتشكل سيرته كسؤال مفتوح: كيف يمكن للفن أن يعيد بناء الإنسان حين يفقد كل شيء؟

ربما لا يملك إجابة نهائية، لكنه يملك يقيناً واحداً:

“الفن ليس رفاهية… بل طريقة للبقاء حياً.”

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني