
قراءة في سردية المسيحيين الـسكان الأصليين في سوريا
ليس من قبيل المصادفة أن تعود إلى الواجهة بين الحين والآخر مقولة أن المسيحيين هم السكان الأصليون في سوريا، أو أن المنطقة كانت مسيحية قبل أن تتعرض لغزو إسلامي. هذه ليست مجرد طروحات تاريخية بل تعبير مكثف عن قلق وجودي يتجلى في هيئة سردية تاريخية.
لقد تعاقبت على سوريا أو تزامنت حضارات وديانات واستمر التعدد ولم ينقطع. وعندما جاء الإسلام لم يأت إلى أرض بلون واحد بل إلى فسيفساء معقدة من الانتماءات، فدخل في تفاعل طويل معها صراعاً وتعايشاً تحولاً.
إن اختزال هذا المسار الطويل في ثنائية (أصل – غزو) هو في جوهره تسطيح يُسيء للحقيقة. فالمسألة لا تقف عند حدود الدقة التاريخية. فالأصالة هنا ليست بحثاً في الماضي بقدر ما هي محاولة للتمسك بالحاضر. حين تشعر جماعة ما، وخاصة إذا كانت أقلية، بأنها مهددة أو مهمشة فإنها تميل إلى إعادة تعريف ذاتها عبر الزمن، كأن تستحضر تاريخاً يمنحها شرعية أعمق وتعيد ترتيب السرديات بحيث تصبح الأسبق أو الأجدر بالبقاء. في هذا السياق تتحول المسيحية من ديانة عريقة في سوريا إلى دليل إثبات على أحقية وجود وأولوية رمزية.
هذه السردية تؤدي وظائف متعددة. فهي من جهة تعوّض شعور الضعف عبر استدعاء ماض يُضفي معنى على الحاضر. ومن جهة أخرى تُنتج خطاباً قابلاً للتسويق خارجياً، حيث تُقدم نفسها بوصفها ضحية تاريخية تستحق التعاطف والحماية. وفي الداخل تُسهم في شد العصب الهوياتي وتحويل الاختلاف إلى عنصر تماسك.
غير أن هذه الوظائف لا تخلو من تكاليف ومخاطر، فحين يُعاد تعريف المجتمع وفق ثنائية الأصيل والطارئ، يصبح التعايش مشروطاً والمواطنة مؤجلة، ويتحول التاريخ هنا من فضاء للفهم الى أداة فرز وتصادم.
والأسوأ من ذلك أن هذا المنطق لا يتوقف عند المسيحيين فقط، إذ سرعان ما تستدعيه جماعات أخرى، فينشأ سباق لا نهاية له حول من يملك حق الأسبقية وكأن الزمن يمكن أن يكون معياراً للحقوق والامتيازات.
الحقيقة الأكثر صلابة هي أن سكان سوريا اليوم بمختلف دياناتهم هم امتداد بشري وثقافي لشعوب تعاقبت وتداخلت وتحوّلت.
التحول الديني عبر القرون لم يخلق شعوباً جديدة بقدر ما أعاد تشكيل هويات قائمة. وعليه فإن ربط الأصالة بالدين تحديداً هو تأويل وليس استنتاجاً تاريخياً.
ما نحتاجه اليوم ليس نفي هذه السرديات بقدر ما هو تفكيك دوافعها، فخلفها خوف مشروع من التراجع والاندثار، ومواجهتها تكون ببناء حاضر يتسع للجميع.
الانتقال من سؤال من كان هنا أولاً؟ إلى سؤال كيف نعيش معاً الآن؟ هو ما يحرر السياسة من عبء الذاكرة حين تتحول إلى اداة للصراع الداخلي.
أخيراً: ليست المشكلة في أن تبحث الجماعات عن جذورها بل في أن تحول هذه الجذور إلى حدود فاصلة. فالأرض التي تتسع لتاريخ طويل من التعدد لا تضيق بحاضر يقوم على المواطنة، إلا إذا أصر أبناؤها على الانغماس في الماضي وتجاهل المستقبل.