إشكالية الاستقرار السوري في ظل الشروط الأمنية الإسرائيلية

0 18

تحولات سوريا العميقة وانعكاساتها على التوازنات والمعادلات الإقليمية الجديدة: دراسة في السيناريوهات المستقبلية

التمهيد: المشهد السوري بعد 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 وصعود أحمد الشرع

منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024 دخلت سوريا مرحلة جديدة تماماً من تاريخها السياسي والاجتماعي، عقب سقوط النظام السابق وبروز قيادة انتقالية بزعامة الرئيس أحمد الشرع، الذي تولّى السلطة رسمياً في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه. هذه المرحلة لا تشبه أيّاً من المراحل السابقة منذ عام 2011، فقد جاء نموذج الانتقال هذه المرة فريداً ومختلفاً عن التجارب المحيطة؛ إذ لم يكن نتيجة تفاوض دولي مباشر أو انقلاب عسكري، بل نتيجة تحوّل داخلي مدعوم بقبول شعبي وإسناد أممي محسوب. وقد أظهرت تقارير الأمم المتحدة في مطلع عام 2025 أن “سوريا تقف أمام فرصة انتقال سياسي مشروطة، ما تزال مرتبطة بإجراء إصلاحات عميقة وبناء مؤسسات شرعية لتحقيق الاستقرار”. ومع هذا التحوّل، برزت أمام السوريين فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم الدولة بعيداً عن الاستبداد والتبعية، وباتت البلاد أمام سؤال مركزي: هل يمكن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية والانقسام والحروب؟

الحدود بين الموقف الأمني والموقف السياسي

أخيراً، يجدر التمييز بين موقف الأمن والموقف السياسي داخل إسرائيل:

أجهزة الاستخبارات والجيش تُركز على ضمانات عملية ملموسة أمام الحدود.

بعض الدوائر السياسية قد تقبل حلولاً تكتيكية مؤقتة، بينما قطاعات أخرى (ذات حساسية تاريخية وسياسية) ترى أن أي تليين سريع قد يصبح مكلفاً على المستوى الوطني.

هذا الانقسام الداخلي في إسرائيل يفسّر لماذا تبدو مواقفها حذرة ومتدرجة تجاه أي «سلام» محتمل مع دمشق؛ فهي تريد التأكد أولاً من أن مصالحها الأمنية لن تُهدّد بشروط مفاجئة.

من هذا المنظور، يمكن القول إن إسرائيل اليوم لا تواجه “سوريا الأسد”، بل “سوريا المجهولة”، التي قد تكون خصماً، وقد تكون شريكاً، لكنّها في الحالتين لا يمكن السماح لها بالاستقرار إلا ضمن حدود مرسومة من إسرائيل.

الأدوات الإسرائيلية لمنع الاستقرار غير المشروط (الضربات، النفوذ، الضغوط الدولية)

السياسة الإسرائيلية لم تكن تجاه سوريا في أي مرحلة قائمة على ردود الفعل فقط، بل كانت دائماً مزيجاً من الضبط العسكري، والتأثير الدبلوماسي، واللوبيات، والاختراق غير المباشر عبر أدوات اقتصادية وإعلامية وأمنية. وفي المرحلة الراهنة بعد سقوط الأسد 2024، يبدو أن إسرائيل طوّرت منظومة متكاملة للتحكم بإيقاع التوازن السوري الداخلي بحيث لا يصل إلى مرحلة “الاستقرار الكامل” ما لم يترافق مع ترتيبات أمنية تخدم مصالحها.

أولى هذه الأدوات هي الضربات الجوية الممنهجة، التي باتت جزءاً من السياسة الإسرائيلية اليومية منذ 2017، لكنها بعد سقوط النظام السابق تحوّلت من عمليات استهداف التموضع الإيراني على حدودها الشمالية إلى أداة ضغط على الدولة السورية الجديدة نفسها. فبين كانون الثاني/يناير وأيلول/سبتمبر 2025، نفّذت إسرائيل أكثر من ألف ضربة دقيقة استهدفت مواقع عسكرية في الجنوب والبادية بحجة “منع تهريب السلاح الإيراني المتبقي”، لكنها مثلّت أيضاً رسالة مزدوجة: تأكيد قدرة إسرائيل على الوصول إلى أي هدف داخل الأراضي السورية، وتذكير القيادة الجديدة في دمشق بأن استقرارها الأمني يمرّ عبر البوابة الإسرائيلية. ومن الأحداث الحديثة التي تعزز هذا النهج، توثيق الغارات الإسرائيلية خلال تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2025، والتي استهدفت مواقع محددة في البادية الجنوبية والريف الشرقي، في رسالة واضحة لفرض قيود على أي تعزيز للقوات السورية أو التوسّع في الجنوب.

هذه الضربات لم تعد تحمل فقط الطابع العسكري، بل أصبحت أداة سياسية لتثبيت قواعد اشتباك جديدة مع واقع جديد. فكلما اقتربت دمشق من استعادة السيطرة على الجنوب، أو من توقيع اتفاقات تعاون أمني مع موسكو أو أنقرة، تعود الطائرات الإسرائيلية لتوجّه إنذاراً ميدانياً بأن أي توسع سوري في الجنوب “خط أحمر”. وفي الوقت ذاته، تحافظ إسرائيل على قنوات غير معلنة مع أطراف داخل الحكومة السورية لتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مما يخلق حالة من “الردع المتبادل المقنّن” الذي يبقي التوتر قائماً دون حرب مفتوحة.

الأداة الثانية هي النفوذ داخل المؤسسات الدولية، وخصوصاً في مجلس الأمن والأمم المتحدة، عبر الحلفاء الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. فإسرائيل تستخدم علاقاتها العميقة في واشنطن وبروكسل.  وبعد إلغاء قانون قيصر في ديسمبر 2025، أصبح لدى دمشق هامش أكبر اقتصادياً، لكن إسرائيل حرصت على ضمان أن أي دعم اقتصادي أو سياسي لسوريا مشروطاً بإجراءات “تطبيع أمني” أو “خفض للتسلّح”. ومن الأمثلة الواضحة، الجهود الدبلوماسية التي قادتها البعثة الإسرائيلية في نيويورك منتصف 2025 لإدراج بند “الشفافية العسكرية في الجنوب السوري” ضمن تقارير الأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما لاقى قبولاً أميركياً وتحفظاً روسياً، لكنه في النهاية أثبت أن إسرائيل قادرة على تدويل حدود نفوذها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني