ما الكتابة؟

0

يسألونك عن الكتابة، قل: إنّها نداءٌ داخليّ لا تستطيع الذات معه رفضاً. إدمان وفيضٌ إن حُوصِر في الصدر قَتَل. هاجسٌ دائم بالحاضر والمستقبل، بالأشياء الصغيرة والكبيرة، بالفرح، بالحزن، بالألم، بالحق، بالجمال، بالحب، بالتمرّد، بالتأفّف…

الكتابة حضورُ الكاتب في الوجود، هو ذا معناها الحقيقي. وحده الكاتب الذي لا يتصوّر نفسه على نحوٍ آخر.

من الفيلسوف الذي يمضي عمره باحثاً عن حقيقة كي يفترسها، إلى الشاعر الذي يجعل من لهب الأنا كلاماً، مروراً بالرسّام الذي يعيد تشكيل الوجود باللون فيكون الوجود جديداً، إلى النحّات الذي يبعث الروح في الحجر والحديد والخشب، إلى الموسيقي الذي يُعيِّن الروح أنغاماً؛ كلّ هؤلاء لا يرون وجودهم إلا كما يريدون، فرحين بذواتهم، إحساسهم بالثراء لا يوازيه إحساس أيّ ثري.

لا تسألوا الكاتب لماذا يكتب؛ هذا أشبه بسؤال العاشق لماذا يعشق.

الكتابة ولادة بكلّ آلام المخاض. وبمعزل عن شكل المولود، الكتابة ولادة، ولأنّها ولادة فهي ألمٌ سعيد بخلقه.

بين الكاتب وشبه الكاتب فرقٌ في أنّ الأوّل يعرف آلام الولادة والفيض، فيما الآخر خطّافٌ سرّاق دون أن يرفّ له جفن. شبه الكاتب قمّاش، هبّاش، عمّاش.

من أغرب الغرائب أن يتشدّق أحدهم بالقول: ما جدوى الكتابة؟ لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ ولهذا فأنا لا أريد أن أكتب.

هذا قول هراء. من لا يكتب لا يستطيع الكتابة قولاً واحداً. ما من شخصٍ عقيم إلا لأنّه خلوٌ من النداء الداخلي الذي يدعوه للكتابة. والقول إنّه مثقّف ويعرف الكثير، أكاديميّ كبير، ولو كتب لبزّ أقرانه، قولٌ لا معنى له على الإطلاق.

وسائلٌ يسأل: وماذا عن أولئك الذين كتبوا وتوقّفوا عن الكتابة، ويقولون إنّهم توقّفوا لأنّهم وجدوا أنّه لا قارئ ولا ثمرة من الكتابة؟

وهذا أيضاً قول باطل بالمَرّة. وتفسير توقّفه عن الكتابة لا يعدو أن يكون الرجل قد جفّ، وهذه حالة قد يعيشها بعض الكتّاب على اختلاف اهتماماتهم. وقد يكون ما كتبوه أهمّ من كثير ممّا كتبه غيرهم. فليس معيار قيمة المكتوب بعدد الكتب والمقالات التي يمتلكها هذا الكاتب أو ذاك، أو بعدد اللوحات لهذا الفنّان أو ذاك، بل بحضور الإبداع الذاتي في الأثر.

شخص لا يكتب، شخص لا يعرف أن يكتب؛ ليست لديه موهبة الكتابة. فالكتابة ليست تعلّماً بالأصل، الكتابة ماهيّة تصقل ذاتها بالخبرة.

كفّوا عن السؤال: حتى الآن لا نعرف لماذا كان عازفاً عن الكتابة، مع أنّه لو كتب لأبدع؟ سؤال كهذا ليس سؤالاً، سؤال لا معنى له. هو لا يعرف أن يكتب ببساطة، إنّه غير موهوب، حتّى لو أوحى بكلامه الشفاهي للبسطاء أنّه قادر على الكتابة. الشفاهيّ والمكتوب عالمان مختلفان، إلا عند الندرة من المبدعين.

كتّاب الشجار الرعاعي متطفّلون على الكلام، متطفّلون على الروح، لأنّهم يكتبون تفاهاتهم الصادرة عن عقدة الخصاء.

الكتابة التي لا يصيبها البِلى مع الزمن، الكتابة التي تصدر عن القلق الوجودي، والتي تنتمي إلى الوجود الأصيل، هي تلك التي حين تولد وتولد معها روح خلودها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني