
بين منطق الدولة ومنطق المكوّن.. قراءة سياسية في اتفاقات «قسد» ومستقبل سوريا الجديدة
منذ توقيع اتفاق العاشر من آذار 2024، مروراً باتفاق الثامن عشر من كانون الثاني 2026، وصولاً إلى الاتفاق الموقَّع في الحادي والثلاثين من الشهر ذاته، بدت العلاقة بين الدولة السورية و«قسد» محكومة بمنطق مرحلي لا يرقى إلى مستوى الحسم السياسي النهائي.
فقد عكست هذه الاتفاقات، على اختلاف توقيتها وسياقاتها، تحولات ميدانية وضغوطاً إقليمية ودولية أكثر مما عبّرت عن قناعة سياسية راسخة بالانتقال الكامل إلى منطق الدولة.
فالاتفاقات لم تكن محطات تأسيسية بقدر ما كانت استجابات مؤقتة لوقائع متغيّرة، سرعان ما أعقبها خطاب وسلوك سياسي اتّسم بالمماطلة وشراء الوقت، ما راكم شكوكاً مشروعة حول حقيقة الخيار الذي تتبناه قيادة «قسد»:
هل هو خيار الدولة السورية الواحدة، أم خيار الإبقاء على كيان موازٍ بمرجعيات سياسية وعسكرية خاصة؟
الاتفاق الأخير، الذي نصّ على دمج أربعة ألوية ضمن الجيش العربي السوري، وإعادة المؤسسات المدنية إلى كنف الدولة، جاء في لحظة سياسية وإقليمية مختلفة جذرياً عن سابقاتها.
فقد تزامن مع تغيّر واضح في موازين القوى على الأرض، حيث تكبّدت «قسد» خسائر عسكرية متتالية في الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، ثم في دير حافر شرقاً، وصولاً إلى الرقة و دير الزور، ما أضعف قدرتها على فرض شروط سياسية خارج الإطار السيادي للدولة السورية.
وبالتوازي مع ذلك، تراجع الغطاء السياسي الخارجي الذي لطالما شكّل عنصر قوة أساسياً لـ«قسد».
فقد بات واضحاً، من خلال تصريحات أمريكية متتالية، أن الدولة السورية أصبحت الشريك الدولي المعترف به في ملف مكافحة الإرهاب، وأن الدور الوظيفي الذي أدّته «قسد» في مرحلة سابقة قد انتهى ضمن إعادة ترتيب أوسع لأولويات القوى الدولية في المنطقة.
ويُعدّ انتقال ملف سجون تنظيم «داعش» إلى يد الدولة السورية أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول، إذ أسقط إحدى أهم أوراق الضغط التي استُخدمت طويلاً في التفاوض.
عند هذه النقطة، لم يعد الاتفاق خياراً سياسياً مريحاً، بل أصبح استجابة اضطرارية لمعادلة جديدة لم تعد تسمح بالمناورة أو الرهان على الزمن.
غير أن ما أعاد فتح باب التساؤلات لم يكن مضمون الاتفاق بحد ذاته، بل الخطاب السياسي الذي أعقبه. فقد حمل تصريح مظلوم عبدي بعدم رغبته في تولي أي منصب رسمي، وتأكيده العمل على تشكيل «مرجعية سياسية للكرد»، دلالات تتجاوز الإطار الشخصي، لتصل إلى جوهر الإشكالية الوطنية في مرحلة ما بعد الحرب.
فالمسألة في سوريا اليوم لا تتعلق بالأسماء أو المواقع، بل بالمنطق السياسي الذي يُعاد إنتاجه في لحظة يُفترض أنها لحظة انتقال من منطق الصراع إلى منطق الدولة.
إن مفهوم «المرجعية السياسية للمكوّن» يتناقض جوهرياً مع أسس الدولة الحديثة، التي تقوم على المواطنة المتساوية، ووحدة القرار السيادي، واحتكار مؤسسات الدولة للتمثيل السياسي واستخدام القوة.
وحين تتحول المكوّنات الاجتماعية إلى مرجعيات سياسية مستقلة، تنتقل البلاد من دولة مواطنة إلى حالة من التعدد السلطوي، ويغدو القرار الوطني رهينة تفاوض دائم بين الهويات، لا نتاج مؤسسات دستورية جامعة.
وفي بلد عانى طويلاً من عسكرة الهويات والتدخلات الخارجية تحت ذرائع متعددة، لا يمكن التعامل مع هذا الخطاب بوصفه مسألة شكلية أو لغوية، بل كإشكالية سياسية لها آثارها المباشرة على وحدة الدولة واستقرارها.
إن رفض هذا المنطق لا يعني، بأي حال من الأحوال، إنكار الحقوق القومية للكرد السوريين، ولا التقليل من دورهم ومكانتهم كمكوّن وطني أصيل، بل على العكس، فإن صون الحقوق وضمانها لا يتحقق إلا داخل دولة قوية وموحّدة، عبر دستور عادل، وقانون واحد، ومؤسسات تمثيلية شرعية، لا عبر مرجعيات موازية تُنتج سلطات غير خاضعة للمساءلة، وتفتح الباب أمام مطالب مشابهة من مكوّنات أخرى، بما يهدد البنية الوطنية للدولة.
في هذا السياق، يكتسب الاتفاق الموقَّع في 31 كانون الثاني 2026 أهمية تتجاوز كونه تفاهماً إدارياً أو أمنياً، ليصبح اختباراً حقيقياً لمدى الجدية في الانتقال من منطق الكيان إلى منطق الدولة.
فإما أن يشكّل خطوة أولى في مسار اندماج كامل ينهي الازدواجية العسكرية والسياسية، أو أن يتحول إلى محطة مؤقتة في عملية إعادة تموضع، وهو خيار لم تعد الظروف الإقليمية ولا الدولية تسمح باستمراره.
فالمناخ الدولي الراهن يتجه بوضوح نحو تثبيت الاستقرار في سوريا، انطلاقاً من إدراك متزايد لموقعها الجيوسياسي المحوري في معادلات الشرق الأوسط.
وتسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يسعى إلى تثبيت السيادة الأميركية على العالم، إلى تحييد الساحة السورية نسبياً، بهدف التفرغ للتحدي الإيراني المتصاعد، في ظل وجود منشآت نووية لا يُعرف بدقة إلى أي مدى بلغ فيها التخصيب، إلى جانب برنامج صواريخ بالستية أثبت قدرته على الوصول إلى العمق الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل.
في هذا الإطار، تبدو القوى الدولية أقل استعداداً للتعامل مع نماذج هجينة أو كيانات وظيفية داخل الجغرافيا السورية، وأكثر ميلاً لدعم قيام دولة مركزية قادرة على ضبط أراضيها، ومنع تحويلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
اليوم، ومع انطلاق مرحلة سياسية جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تبرز فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس السيادة الواحدة، والشراكة الوطنية، والاحتكام إلى الدستور والقانون.
وهي مرحلة لا تحتمل أنصاف الحلول، ولا يمكن أن تقوم على تعدد المرجعيات أو ازدواجية الولاءات، فالدولة لا تُدار بتوازنات هشّة، بل بمؤسسات قوية، وجيش وطني واحد، وقرار سيادي واحد.
إن مستقبل سوريا يتوقف على حسم هذا الخيار التاريخي:
إما دولة مواطنين متساوين ضمن إطار وطني جامع، أو إعادة إنتاج منطق الكيانات الذي أثبت فشله وألحق بالسوريين أثماناً باهظة.
وفي هذا المفصل الحاسم، لن يُقاس نجاح الاتفاقات بعدد التواقيع، بل بقدرتها على إنهاء الذهنيات التي جعلت منها ضرورة مؤقتة، والانتقال بسوريا من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة استعادة الدولة.