
– يُمّاااا …!
غطّتْ وجهها بذيل عُصبتها، ومثلها فعلتُ بالشماغ.
حشدٌ كبير من البشر غصّت به الصالة. الأغلبية بنصف وجه.
رائحة الذل المعجون بالعجز كانت خانقة. مالتْ عليّ أمي، وهمستْ:
– سبحان مغيّر الأحوال. أين كان مخبأ لنا كل هذا؟!
– أقدار يمّا أقدار.
– طول عمرها كانت خيراتنا تكفينا، وتزيد، وتفيض على الغريب.
الأرقام على اللوحة الالكترونية في صدر الصالة تتبدل ببطء ورتابة قاتلة، لكن من يجرؤ على الاحتجاج!
إلحاح أمي نزع عني آخر ورقات توت الرجولة:
– وهل نموت جوعاً يا ولدي؟!
– ….
– كلهم يذهبون، ولا تنسى أن الصغار لا يتحمّلون مثلي ومثلك.
لفت انتباهي أن من يدخل لاستلام (المعونة) لا يخرج من الباب الذي دخل منه، والذي لا يوجد غيره في الصالة أصلاً! لابد أن هناك باب خارجي للمكتب لا يفضي إلى الصالة.
خطر لي أن أسأل الرجل الذي يوزع الأرقام، ثم استسخفت ذلك، فعدلت: ربما تقصّدوا الأمر ليرفعوا الحرَج عن الناس.
شددتُ قبضتي على الرقم، حين رفض الرجل إعطاء المتأخرين أرقاماً:
– تعالوا بكرا يا شباب. انتهى توزيع الأرقام اليوم.
التفتتْ إليّ أمي بنظرة باسمة، ذكّرتني باحتجاجي على المجيء باكراً، فرددتُ عليها بابتسامة مماثلة.
بعد أن استعادتْ الصالة رشاقتها، صرتُ أترقب لوحة الأرقام بشغف مشوب بالتوتر:
– هانت يمّا.. هانت.
أسندتها على كتفي حتى نهضتْ عن الكرسي، ثم جهّزتُ الأوراق، وقدتها إلى حيث اللوحة، التي ما أن رأتها حتى استقبلتنا بالرقم المطلوب.
– يالله يمّا.
فتحتُ الباب، ودخلنا.. أو خرجنا. ما عدتُ أعرف من هول الصدمة!
لم يقدنا الباب إلا إلى الشارع العام تماماً. لا مكتب ولا هم يحزنون!
تلفّتُّ يميناً ويساراً. درتُ حول نفسي مرات. لا شيء سوى الشارع. ناس وسيارات وباعة و..!
– شو اللي صار يا ابني؟!
طلبتُ منها ألاّ تتحرك من مكانها، ورجعتُ إلى الباب الذي خرجنا منه. دفعته بنزق، فصُدمتُ بامرأة كانت تُرضع وليدها، وحولها ثلاثة أطفال يجلسون على سجادة، ويتابعون التلفاز.
بذهول، غطّتْ صدرها، وقذفتني:
– يخرب بيتك.. فايت على زريبة! صحيح اللي استحوا ماتوا!!
تجمّد لساني من هول الصدمة، فسارعتُ بالخروج، وإغلاق الباب خلفي.
رجوتُ أمي أن تنتظر قليلا حتى أعود، وقصدتُ (النوفوتيه) المقابل لنا تماماً.
– عفواً يا أخي. ممكن أن تدلني على مكتب إغاثة النازحين في هذا الشارع.
– والله يا أخي صار لي عشرين سنة أشتغل في هذا المحل، ولم أسمع بوجود مكتب للنازحين في هذه المنطقة!
– معقول؟!
– أعرف المنطقة كما أعرف راحة يدي. لا تتعب نفسك.
عدتُ وخيبتي كسيراً إلى أمي، فلم أجدها!
ذرعتُ الشارع ذهاباً وإياباً دون فائدة! سألتُ عنها المحلات القريبة، فأنكروا رؤيتها!
وقفتُ في الشارع، ورحت أصيح بأعلى صوتي:
– يماااااه.. يماااه!
شعرتُ بيدها تهزّني بقوة، فأفقتُ:
– سمّ بالله وتعوّذ من إبليس يا ولدي.. ما لك تصيح؟!
– كابوس يمّا.. كابوس. الله يلعن الشيطان.
– سمّ بالله، وخذ.. اشرب الماء.
بعد أن استعدتُ وعيي، وارتحتُ قليلاً، قالتْ:
– سأل عنك محمود، وقال: جهّزوا حالكم إذا اتفقتم على الرحيل.. سنرحل اليوم.
– لا يمّا.. لا.. الموت هنا أرحم.