
استثمار خطاب المظلومية في سوريا
قراءة وطنية في التحديات الانتقالية
مع دخول سوريا عام 2026، يتصدر خطاب «المظلومية» المشهد السياسي والاجتماعي بوصفه أحد أكثر المفاهيم حضوراً في المرحلة الانتقالية. ولا تُفهم المظلومية هنا بوصفها توصيفاً أخلاقياً للمعاناة فحسب، بل كسردية عامة تتقاطع فيها وقائع تاريخية موثقة مع مخاوف هوياتية مشروعة، جرى توظيفها بدرجات متفاوتة في إعادة تشكيل المطالب السياسية وموازين القوة.
بعد عام على سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يختفِ هذا الخطاب، بل أُعيد إنتاجه في سياق جديد. فالمظلومية التي كانت تُستعمل سابقاً لتبرير الاستبداد، أصبحت اليوم أداة تفاوض، ودفاع ذاتي، وأحياناً وسيلة ضغط سياسي في ظل ضبابية المرحلة الانتقالية وغياب الضمانات الدستورية الكافية.
المظلومية: سردية سياسية لا كتل متقابلة
من الضروري التأكيد أن المكونات الاجتماعية السورية سواء وُصفت بالأغلبية أو الأقليات ليست كتلاً صلبة أو متجانسة. فداخل كل مكوّن تيارات سياسية وفكرية متعددة، ما يجعل اختزال المظلومية في انتماء واحد مقاربة مضللة. الإشكالية لا تكمن في الاعتراف بالمعاناة أو المخاوف، بل في تحويلها إلى خطاب تعبوي دائم، منفصل عن الأطر الوطنية والمؤسسية.
من “دولة الفرد” إلى “أمان المؤسسة”
التحدي الحقيقي في سوريا اليوم لا يقتصر على تجاوز إرث النظام السلطوي، بل يتمثل في حماية مفهوم الدولة ذاته من التفكك. فالمظلومية حين تُقرأ بمنطق فئوي ضيق، تُنتج مطالب متوازية ومتصادمة، بينما الحاجة الوطنية تكمن في تحويل هذه المظلوميات الجزئية إلى مظلومية سورية كبرى عنوانها المشترك: الاستبداد، انهيار سيادة القانون، والتهميش البنيوي.
تاريخياً، لم يكن التنوع الديني أو الاجتماعي في سوريا سبباً للصراع، بل جرى تسييسه عبر بنى سلطوية، من الانتداب إلى عسكرة الدولة، وصولاً إلى احتكار السلطة والأمن. هذا الإدراك أساسي لتفكيك منطق «الخوف المتبادل» الذي يطغى على المرحلة الراهنة.
العدالة الانتقالية: من الوجع إلى الإنصاف
في قلب هذا الصراع على السرديات، تبرز العدالة الانتقالية ليس كترف حقوقي، بل كضرورة وطنية لانتزاع فتيل “استثمار المظلومية”. إن غياب مسار واضح للمكاشفة والمحاسبة وجبر الضرر هو ما يبقي الجراح مفتوحة وقابلة للتوظيف السياسي.
العدالة الانتقالية في سياق 2026 هي الجسر الذي ينقل السوريين من ضيق “الثأر الفئوي” إلى سعة “الإنصاف القانوني”، حيث يتم الاعتراف بالمعاناة الجماعية لمدن كدير الزور وحمص ودرعا وغيرها، وتوثيق الحقائق كملك عام للسوريين، ما يحول المظلومية من طاقة هدم للمجتمع إلى حجر زاوية في بناء ثقة متبادلة تؤسس لعدم تكرار المأساة.
المظلومية والتنمية: البعد المغيَّب
أحد أكثر جوانب المظلومية السورية إهمالاً لدى نخب المركز هو بعدها التنموي. فالتفاوت بين المركز والأطراف، وتهميش الريف والشرق السوري، وغياب العدالة في توزيع الموارد، شكّل وقوداً صامتاً للصراع قبل انفجاره السياسي بسنوات. وتبرز هنا «المظلومية التنموية» بوصفها مساحة مشتركة عابرة للهويات، تتقاطع عندها مطالب الأمن الاقتصادي والخدمات. هذه المطالب، إذا أُديرت وطنياً، قادرة على تفكيك خطاب المظلومية الهوياتية وتحويله إلى مشروع إنصاف اجتماعي جامع.
العامل الدولي وإعادة إنتاج الخطاب
لا يمكن قراءة المشهد السوري بمعزل عن الأدوار الإقليمية والدولية. فخطابات المظلومية لا تتغذى فقط من الداخل، بل تُضخَّم أحياناً من الخارج بوصفها أدوات نفوذ أو أوراق ضغط، ما يفاقم الاستقطاب ويُضعف فرص التسويات الوطنية. إدراك هذا العامل ضروري لفهم تعثر بعض المسارات رغم وجاهة مطالبها.
دور الإعلام الوطني في عام 2026
في هذا السياق الانتقالي الهش، يبرز الإعلام الوطني بوصفه فاعلاً مؤسسياً محورياً، عبر:
- تفكيك التحريض: دون إنكار الحقوق أو تمييع المعاناة.
- تعزيز سردية المواطنة: وسيادة القانون بدل ثنائيات الأغلبية والأقلية.
- ضبط الخطاب العام: ومنع تحويل المنصات الإعلامية إلى أدوات تعبئة وانقسام.
- فتح نقاش عقلاني: حول العدالة الانتقالية والتنمية وإصلاح الدولة، بعيداً عن التخوين.
إن انحراف الإعلام عن هذا الدور يهدد بإعادة إنتاج الانقسام بصيغ جديدة، بينما يشكّل الالتزام به أحد الشروط العملية لنجاح الانتقال.
خاتمة
إن التحدي المركزي أمام سوريا في عام 2026 لا يكمن في المفاضلة بين مظلوميات متنافسة، بل في بناء منظومة مؤسسية قادرة على تحويل الذاكرة المؤلمة إلى مسار إنصاف وطني جامع. فالمظلومية، إذا بقيت خطاباً بلا أطر قانونية وتنموية، تتحول إلى أداة صراع؛ أما إذا أُدرجت ضمن مشروع دولة، فإنها تصبح مدخلاً لإعادة التماسك الاجتماعي.
فسورية 2026 ليست بحاجة إلى منتصرين على بعضهم بعضاً، بل إلى منتصرين لوطنهم، عبر تحويل ألم الذاكرة إلى وقود للبناء، لا إلى وقود لصراعات جديدة.