
إسرائيل هي التحدي الاستراتيجي لسوريا والسوريين
من لعنات الجغرافيا أن تكون دولة الاحتلال الإسرائيلي بجوار سوريا الجغرافي المباشر، وهذا الواقع فرض على سوريا في القرن المنصرم تحديات كارثية، ليس آخرها حكم أقلوي (يخدم إسرائيل) ويدمّر سوريا طوال أكثر من نصف قرن لمصلحة دولة الاحتلال، ولو أحياناً لم يقصد ذلك، لكن مصالح الحكم الأقلوي تتقاطع غالباً مع مصالح الدولة العبرية.
عانى الغرب كثيراً من قوة المسلمين السياسية، التي كانت متمثّلة بالدولة العثمانية، والتي وصلت قواتها إلى وسط أوربا، وقطعت طرق الحرير (أو هيمنت عليها) المارّة من الشرق الأوسط. وكانت استراتيجية الدول الغربية (فرنسا وإنكلترا)، وهما قائدتا النظام الدولي لقرون، قائمة على تحطيم الدولة العثمانية، وإن دعمتاها في بعض الفترات للوقوف في وجه روسيا القيصرية، لوقف امتداد الإمبراطورية الأوراسية الأرثوذكسية.
وعندما بدأت تظهر بوادر انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، كانت خطط وعد بلفور وسايكس – بيكو قد وُضِعت لتنفيذها وتمزيق الإرث العربي للدولة العثمانية، منعاً لقيام دولة إسلامية عربية في المنطقة، لأن الإسلام الذي تدين به شعوب المنطقة يفجّر الطاقات المختزنة عند أهلها، ويؤدي إلى قيام دولة إسلامية كبرى في قلب العالم. وللحيلولة دون ذلك، لجؤوا إلى زرع الكيان العبري في قلب الشرق العربي، ليكون خنجراً متقدماً لهم يمنع أي نهوض عربي إسلامي، وهو ما حصل على أرض الواقع.
أدرك قادة الكيان الإسرائيلي الناشئ أن الحفاظ على دولتهم لا يكون ببناء قوة ذاتية والاعتماد على الدعم الغربي فقط، بل لابد أن يترافق ذلك مع إضعاف الجوار العربي المسلم بشتى الطرق، فعملوا على إنشاء علاقات تعاون جيدة مع الدول الإقليمية الكبرى المحيطة بجوارهم العربي، مثل إيران الشاه، وتركيا الكمالية المتغربة، والحبشة.
تم في سوريا استثمار ما زرعه الفرنسيون من إنشاء جيش المشرق، والذي كان يضم الكثير من أبناء الأقليات، وتسهيل دخولهم إليه واعتلائهم المناصب العليا، وتم تتويج ذلك النهج بانقلاب البعث، الطائفي في جوهره، والمعتمد على ضباط عسكريين من الأقليات، ومنها اللجنة الخماسية العسكرية التي تحكّمت في المشهد، وكان منها حافظ الأسد وصلاح جديد، ثم حسم الأسد الصراع، وحكمت أسرته سوريا لأكثر من نصف قرن.
فيما كان العسكر القومي العربي يبدّد طاقات العرب بحجة الصراع مع إسرائيل، وأوصلوا الأمة إلى خسارة حرب عام 1967.
أخرج أنور السادات مصر من الصراع العربي الإسرائيلي بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، وتزامن ذلك الخروج مع وصول الخميني إلى السلطة في إيران، والذي رفع شعارات العداء لأمريكا وإسرائيل، لكنه في الواقع شنّ حربه على العراق، وبدأ يهدد كل المنطقة العربية بتصدير نموذجه عبر الحدود، وتحالف إستراتيجياً، وبشكل مبكر، مع الحكم الأقلوي في سوريا، وبدأ تحالف الأقليات في المنطقة يظهر إلى الوجود بقاعدة ارتكازه في سوريا، ووصل بعد الغزو الأمريكي للعراق، وامتدّ من طهران إلى شواطئ المتوسط، وأصبح هلالاً شيعياً مترابطاً جغرافياً، بعد تقديم الأمريكان العراق هدية لإيران، وإسقاط حكم طالبان السني. وبذلك تنفّس نظام ولاية الفقيه الصعداء، وظهر أن هناك تخادماً أمريكياً إسرائيلياً معه، بحكم الضرورة، ضد المسلمين السنة، وخاصة العرب منهم، الذين تم إلصاق تفجيرات تنظيم القاعدة بهم.
كان المخططون الاستراتيجيون الأمريكان على جهل بحقيقة المشروع الشيعي في المنطقة، وكان كل همهم الوصول إلى نوع من التفاهم لتقاسم النفوذ في المنطقة على حساب العرب السنة، وهو ما يخدم إسرائيل بالدرجة الأولى. لكن كل هذا التخادم فشل، لأن إيران تريد المنطقة كلها، وليس تقاسمها مع أحد. تم قتل قاسم سليماني في بداية عام 2020 إعلاناً لانتهاء مرحلة التخادم مع الحرس الثوري الإيراني، وكانت عملية طوفان الأقصى، حيث تحوّل التوجس والحذر من الجانبين إلى صدام عسكري علني ما زال مستمراً.
لا يمكن فهم إسرائيل وحقيقة سلوكها في المدى القريب والمتوسط دون فهم حقيقة ما حدث صبيحة 7 أكتوبر 2023، فقد انهارت نظرية الردع الإستراتيجي التي كانت أساس نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، وانتاب الإسرائيليين شعور بخطر وجودي يهددهم، إذ إن وجود أي جبهة تنسّق مع غزة (مع أن يكون هجوم المقاومين أكثر تخطيطاً وله أهداف واضحة) كان إيذاناً بسقوط الدولة المصطنعة، وحدوث كل المعارك على أرضها، وليس في أرض الغير، كما كانت الاستراتيجية الإسرائيلية تعتمد.
سقط الردع النووي، والردع الجوي، وكل إجراءات الدفاع الإلكترونية، والتفوق في الأسلحة الأخرى، وظهر أن بندقية مقابل بندقية، ورجلاً مقابل رجل، هو الفيصل في الميدان.
لذلك رأينا تحوّلاً جذرياً في الهمجية الإسرائيلية، التي تعتمد على الإفراط في القتل والتدمير، وارتكاب المجازر بحق المدنيين بغاية القتل فقط، ودون أي أهداف عسكرية، والقصف في أماكن بعيدة (مثل اليمن)، والقيام بعمليات أمنية نوعية، وذلك لاسترداد الثقة بالنفس التي ضاعت يوم 7 أكتوبر. ومع ذلك، لم يتمكن جيش الاحتلال من إنهاء الحرب على غزة وفق رؤيتهم، حتى الحوثيون، البعيدون 2000 كم، تمكنوا ببضع مسيّرات وصواريخ من إغلاق ميناء إيلات على البحر الأحمر.
لا يمكن لإسرائيل أن تكون صاحبة مشروع أو دولة مهيمنة ونفوذ في المنطقة، لأنها تتمتع بعوامل ضعف ذاتية لا يمكن تجاوزها، وهي أن إسرائيل فقيرة ديمغرافياً، فعدد سكانها يقل أو يساوي عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية، كما أنها تعاني من وهن جيوبوليتيكي، فمساحتها صغيرة جداً لا تتحمل أي حرب حقيقية، ويمكن إغلاق مطاراتها وميناء حيفا دونما عناء كبير. كما أن الدولة العبرية تعتاش على الدعم الخارجي، والأمريكي خاصة، ولا يمكن لها خوض حرب بدونه أو في ظل تراخيه.
لا ترى دولة الاحتلال في سوريا خطراً أمنياً على المدى القريب، لكنها ترى في سوريا خطراً استراتيجياً على المدى المتوسط والبعيد، وهي لا تخفي ذلك وتقول به علناً، وليس كما تدّعي لأن للقيادة السورية خلفية جهادية إسلامية، بل لأن سوريا عادت لأهلها، وتحكمها الآن وفي المستقبل قيادة ستكون منتمية لهذا الشعب، الذي له هوية عربية إسلامية، لها امتداداتها وتشابكاتها عند ملياري مسلم على وجه البسيطة.
سقط المشروع الإيراني في سوريا في بضعة أيام، وما بقي منه أخطار أمنية متناثرة وغير مؤثرة، سيتم القضاء عليها قريباً. أما الأهداف الإسرائيلية بإضعاف سوريا فستظل باقية ما بقيت دولة الاحتلال، سواء باستغلال مطالب أقلية دينية هنا أو عرقية هناك، وستنظر إلى أي نهوض اقتصادي مستند إلى استقرار أمني على أنه خطر عليها، سواء تم توقيع اتفاق أمني أم إبراهيمي أم لم يتم.
وبالتأكيد سهّل التغوّل والتنمر الإسرائيلي على السوريين تحديد من هو العدو الرئيسي، وهو ما ستُبنى عليه عقيدة الجيش العربي السوري، ويكون معيار الوطنية السورية متوجهاً إلى العدو الرئيسي. وبالطبع، لن ينسى السوريون أن نظام الملالي الطائفي هو عدو أيضاً، ما بقي هذا النظام يبث سمومه في المنطقة، وبسقوطه لا يمكن للشعب الإيراني أن يكون عدواً لسوريا والسوريين.