
من تمرد الياسمين إلى اختبار الدولة… المراهقة السياسية في سوريا
حين سبق الشارع السياسة
في سوريا التي خضعت منذ عام 1963 لعملية تجفيف سياسي ممنهجة، لا يمكن فهم الثورة بوصفها حدثاً مفاجئاً أو قطيعة كاملة مع الماضي، بل كتحرّر متأخر لطاقة اجتماعية حُرمت طويلاً من أدوات التعبير والتنظيم. من هذا المنطلق، تبدو استعارة “المراهقة الثورية” و“المراهقة السياسية” مدخلاً تفسيرياً لفهم مسار الثورة وما آل إليه، لا بوصفها حكماً أخلاقياً، بل توصيفاً لحالة اندفاع بلا جذور مؤسسية، وحماسة سبقت بناء السياسة، بسبب الحرمان السياسي طويل الأمد، وصعوبة التحول إلى فعل سياسي مستدام.
التصحر السياسي: كيف صُنِع الجفاف؟
لم يكن التصحر السياسي مجازاً لغوياً، بل نتيجة آليات واضحة: احتكار الحزب للدولة، تفكيك المجال العام، إخضاع المجتمع المدني الأحزاب والنقابات والجمعيات والاتحادات، وتجريم أي تنظيم مستقل. بهذه السياسات، جرى تفريغ المجتمع من الحوامل المجتمعية التي تنقل الفعل من الاحتجاج إلى السياسة، فبقيت الطاقة كامنة بلا قنوات، والخبرة السياسية بلا تراكم. ووفق أدبيات التحول الديمقراطي، فإن غياب هذه البُنى الوسيطة يجعل أي انتقال لاحق هشّاً وقابلاً للارتداد.
المراهقة الثورية (2011–2012): انفجار بلا أوعية
عندما اندلعت الثورة، ظهرت قدرة عالية على التعبئة والابتكار وأولى حالات المجتمع المدني: تنسيقيات محلية، شعارات جامعة، وسلوكيات سلمية أولية. غير أن غياب الحوامل المجتمعية حوّل هذه الطاقة إلى فعل غير مُؤطَّر؛ كان الشارع أسرع من السياسة، والحماسة أسبق من التنظيم. ومع العنف المفرط، انفتح الباب أمام العسكرة، فتغيّرت بنية الصراع من مطالبة بالحرية إلى تنازع على القوة والموارد.
“سرقة البذرة”: الفاعلون والآليات
لا تبقى عبارة “سرقة البذرة” توصيفاً شاعرياً إذا فُكّكت بنيوياً. فقد شاركت في هذه العملية:
- فصائل مسلحة واقتصادات حرب استحوذت على القرار المحلي بالسلاح والتمويل.
- نخب تقليدية ومعارضات مركزية أعادت إنتاج تمثيل مغلق وأقصت الفاعلين المدنيين الشباب.
- رعاة إقليميون ودوليون وجّهوا الدعم المشروط وفرضوا أولويات تتجاوز المجتمع المحلي.
بهذه الآليات السياسية والتنظيمية والتمويلية، جرى استبدال الفاعلية المدنية الأولى بمنظومات قوة لا تستمد شرعيتها من المجتمع بقدر ما تستمدها من السيطرة.
التدخلات الخارجية: تفكيك لا تعميم
ليس دقيقاً وضع جميع التدخلات في سلة واحدة. فقد كان التدخل الروسي – الإيراني ذا طابع قمعي بنيوي هدفه تثبيت مركز السلطة، بينما حمل التدخل التركي طابعاً براغماتياً متقلباً تحكمه اعتبارات أمنية. إلى جانب ذلك، برز فاعلون غير دولتيين، مثل قوى الأمر الواقع في الشرق أو فاعلين أمنيين في الجنوب. هذا التمايز يفسر تكسّر المسار الثوري وإطالة مرحلة “المراهقة السياسية”.
غياب الحوامل المجتمعية: الحلقة المفقودة
غياب البُنى الوسيطة لم يُضعف الثورة فقط، بل عمّق صمت قطاعات واسعة من المجتمع غير المنخرط مباشرة في الفعل الثوري: الطبقات المترددة، الأقليات، والباحثين عن الاستقرار. هذه الفئات لم تجد قنوات آمنة للمشاركة أو تمثيلاً يعكس مصالحها، فاختارت الانكفاء. ومع الإقرار بالطابع القسري لهذا الصمت، لا يمكن إغفال أن قطاعات اجتماعية واسعة طوّرت، بفعل التاريخ الطويل من القمع، قابلية ثقافية للابتعاد عن الشأن العام، ما جعل إعادة بناء الفعل الجماعي أكثر تعقيداً من مجرد زوال السلطة.
ما بعد 2024: بين الوقائع والاحتمالات
تشكّل المرحلة اللاحقة لسقوط النظام طوراً انتقالياً مفتوحاً على مسارات متباينة، لا تحسمه موازين القوة وحدها، بل قدرة الفاعلين الصاعدين على الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشرعية، ومن السيطرة إلى التمثيل. فالتحدي الجوهري لا يكمن في استبدال السلطة، بل في بناء أطر سياسية قابلة للمساءلة، وإعادة نسج العلاقة المقطوعة بين الدولة والمجتمع عبر حوامل مجتمعية مستقلة وفاعلة. عند هذا الحد، يصبح النضج السياسي نتاجاً لإعادة تعريف السياسة نفسها بوصفها ممارسة مجتمعية مؤسَّسة، لا مجرد صراع على الحكم.
في المحصلة، فإن إدماج مسألة غياب الحوامل المجتمعية يعيد هذا المسار سؤال الثورة السورية بصيغة أعمق: ليس فقط من يحكم، بل كيف يُبنى المجتمع القادر على حمل السياسة. عند هذه النقطة يتحدد ما إذا كان الياسمين البري قادراً على التحول إلى حديقة وطنية راسخة الجذور، أم سيبقى رهينة العواصف.