
التفاوض أم الإذعان؟ قراءة هادئة في الحوار السوري الإسرائيلي
في لحظات التحوّل الكبرى، حين يطول الصراع ويستنزف الجميع دون حسم، يظهر التفاوض بوصفه سؤالاً ثقيلاً أكثر منه جواباً جاهزاً. ليس لأنه حلٌّ سهل، بل لأنه اعتراف ضمني بأن القوة، مهما بلغت، لم تعد كافية لفرض نهاية نظيفة للصدام. من هنا يمكن فهم أي حديث عن التفاوض الجاري اليوم بين سوريا وإسرائيل، لا باعتباره حدثاً منفصلاً، بل كحلقة جديدة في تاريخ طويل من الاشتباك.
التفاوض، في جوهره، لا يولد في أوقات الوئام، بل في لحظة الانسداد. عندما يدرك الأطراف أن الاستمرار في الصراع لم يعد يحقق مكاسب حقيقية، وأن كلفة الاحرب واللاسلام بمختلف أشكالها العسكرية والاقتصادية والسياسية أصبحت أعلى من كلفة الجلوس إلى الطاولة. عندها فقط يصبح الحوار خياراً مطروحاً.
غير أن المشكلة الأساسية في التفاوض المطروح اليوم لا تكمن في مبدأ الحوار ذاته، بل في طبيعته وشروطه. فإسرائيل، كما تظهر التجربة التاريخية ومواقفها المعلنة، لا تتعامل مع التفاوض كمسار متكافئ لتسوية نزاع، بل كأداة لفرض إرادتها الكاملة. مطلبها الجوهري ليس تسوية قائمة على تنازلات متبادلة، ولا اعترافاً بخسارة مشتركة، بل إذعان الطرف الآخر لمنطق القوة الذي تراكم عبر عقود. تفاوضٌ من هذا النوع لا يسعى إلى حل الصراع، بل إلى إعادة إنتاجه بصيغة أقل ضجيجاً وأكثر اختلالاً في موازينها.
في هذا السياق، تصبح شروط نجاح أي تفاوض موضع تساؤل حقيقي. فالمفاوض، كي يكون قادراً على المناورة، يحتاج إلى شرعية داخلية تحميه من السقوط السياسي، وإلى بيئة إقليمية ودولية توازن الضغط، لا أن تضاعفه. كما يحتاج، قبل كل شيء، إلى إدراك متبادل بأن الصراع لم يعد لعبة صفرية. لكن حين يرى طرف نفسه منتصراً بحكم القوة، أو يتوهّم أن الزمن يعمل حصرياً لصالحه، يتحول الحوار إلى شكل من أشكال إدارة الصراع، لا حله.
التجربة العربية، ومعها الإسلامية، عرفت هذا الجدل طويلاً: هل التفاوض مع الخصم خيانة أم ضرورة؟ وبين من يقدّم “الصمود” بوصفه نصراً بحد ذاته، ومن يرى في السياسة فن الممكن، ضاعت أحياناً القدرة على التمييز بين الثابت والمتغير. التاريخ الإسلامي نفسه لا يخلو من نماذج تفاوضية عقلانية، حين كان الهدف حماية الجماعة وتقليل الخسائر، لا استعراض الشعارات. لكن الفارق الجوهري أن تلك التجارب قامت على توازن ما، أو على اعتراف متبادل بالوجود، لا على فرض الإذعان.
التفاوض بين طرفين غير متكافئين، أحدهما يملك فائض قوة مدعوماً دولياً، والآخر يرزح تحت ضغوط داخلية وخارجية، يتحول سريعاً إلى امتحان قاسٍ للواقعية السياسية. وهنا يكمن الخطر: أن يصبح الحوار وهماً مؤجلاً، يستهلك الوقت ويمنح الطرف الأقوى فرصة لترسيخ وقائع جديدة، بينما يُطلب من الطرف الأضعف تقديم التنازل تلو التنازل تحت عنوان “الفرصة الأخيرة”.
الخلاصة أن التفاوض، في ذاته، ليس ضعفاً ولا خطيئة. لكنه يفقد معناه عندما يُختزل في مطلب واحد: الإذعان الكامل لإرادة الأقوى. الخيار الحقيقي لا يبدأ عند الطاولة، بل عند لحظة الاعتراف المتبادل بأن استمرار الصراع مكلف للجميع، وأن الحل لا يمكن أن يقوم على كسر إرادة طرف لمصلحة آخر. من دون هذه اللحظة، يبقى التفاوض مجرد استراحة مؤقتة في حرب طويلة، لا أكثر.