
الفيلسوف – محاولة في التعريف
الفيلسوف هو الذي يفكر دائماً بالكشف عن الماهية القابعة وراء الظاهر، ويمنحها كلمة تتحول إلى مفهوم كلي.
للفيلسوف دائماً قولٌ آخر يخدش المألوف والمعروف، ويفضح المستور، ويكشف المكنون. الفيلسوف لا يؤمن ولا يعتقد، إنه يفكر فقط. لا مرجع له سوى عقله والواقع. يفرح بأخطائه بوصفها صوىً على دروب المعرفة، ولا يكشف معنى وجوده إلا بحريته. غريبٌ ومغتربٌ وساخر، يطل على العالم من علٍ كي يرى كما يرى النسرُ فريسته، يتجول في الساحات ويسكن الكوخ في الغابة السوداء. وحين لا تنبت أفكاره التي يُبذِرها في حقل الحياة تكون الحياة ذاتها جثة، وحين يبث فيها من روحه ما يحييها يكون قد آثر المنفى على الإقامة في الكهف.
عنيدٌ هو الفيلسوف؛ ما من مرة نزل من عليائه كي يخاطب الناس، بل يدعوهم للصعود إليه، ولأنهم غالباً ما يكرهون الصعود، يهربون من ندائه شاتمين.
الفيلسوف يغضب، ولكنه لا يدخل في شجار، والنقد سناءٌ من سناءاته. ولأنه لا يستعير قنديلاً من أحد في معركته مع الظلام، يظنّون أنه يسير في العتمة ولا يرى، ولا يعلمون أن ذاته قنديله.
الفيلسوف لا يغادر ذاته الفردة، ولا يُصاب بعدوى الجموع، ويكتب كي يعلّم الذات الكسيحة المشي على الطرقات وحدها، ويمنحها بعضاً من نور عينيه كي تستطيع أن ترى ما وراء الخيالات والأشباح.
يمنح الفيلسوفُ اللغةَ طاقةً جديدة من روح الحياة، وقدرةً لم تعرفها على التعبير، ويزوّدها بمفاتيح المعرفة من المفاهيم التي نادراً ما تموت، ولكن قد يصيبها بعض البِلى فيجدد من روحها بما لم يكن في حسبانها.
الفيلسوف معمّرٌ فريد على هذه الأرض، ويقع بعض الناس في الظن بأن غيابه موت، ولكن سرعان ما يعود بحلّة جديدة، مداداً لقلمٍ جديد، يعود مُكتشَفاً كما لو أنه كان يخفي شيئاً ثميناً وراء نصّه.
الفيلسوف عقلُ العالم بلا منازع، لكنه عقلٌ نهريٌّ منابعه لا تُحصَى، لا يغيّر مجراه ولكن يجدد ماءه بلا توقف، يمنح جداوله بكل ما أوتي من خصلة الكرم لكل الحقول العطشى، حتى للصحارى. نهرٌ مريض بداء “ما يجب”، ولن يبرأ من داء كهذا مهما طال به العمر ولم يرَ الذي يجب.
الفيلسوف يحب الحياة، حتى لو حملته على أن يكشف عن اليأس والتشاؤم من أفعالها. إنما يكشف صور الموت دفاعاً عن الحياة. وفي اللحظات التي ينفجر فيها الوجود الإنساني غاضباً من قيوده، تكون أجنحةُ الفيلسوف قد رفرفت فوق الوجود هاديةً لطريق الحرية. إذ لا تقوم علاقة أصدق بين الكائن والحرية كما تقوم بين الفيلسوف والحرية.
الفيلسوف لا ينخرط في القيل والقال والثرثرة والنميمة، أي في الوجود الزائف، بل يعيش تجربة إبداع المفهوم الكلي المرتبط بأعمّ مشكلات الإنسان الكبرى: وجوده، مصيره، حريته، حضارته، اغترابه، أخلاقه وقيمه، جماله، وعيه، علمه، سعادته، ألمه، حبه، قلقه.
الفيلسوف ابنُ عقلِ المدينة الحرة، ولهذا لا يطيق أخلاق المكان المغلق. بل الفلسفة هي الذهنية المدينية والمدنية الأرقى التي تفكر بالعالم. لا تستطيع أن تكون فيلسوفاً بأخلاق قروية، ولا تستطيع أن تكون فيلسوفاً بلا شجاعة عقلية وحرارة القول.
الفيلسوف لا يعد ولا يتوعد، يحب المواجهة، ولا يطعن في الظهر؛ فكلامه أثمن من أن يتحول إلى لغو حارات. الفلسفة أرستقراطية الروح، ولو اعتدى الرعاع عليها، سرعان ما يطويهم النسيان.