الثورة السورية ومعركة الانتصار النوعية

0

إنها تلك المعركة التي بدأت في أواخر تشرين الثاني وانتهت في الثامن من كانون الأول وذلك في السنة الماضية 2024، وقد انتهت المعركة بانتصار ثمين ونوعيّ تمثَّلَ بانهزام رئيس النظام الطائفي الإجرامي بشار الأسد،

نعم، لقد انتصرت الثورة السورية في هذه المعركة ولقد اكتسب هذا الانتصار أهميّة وتميّزاً عمّا سبق من انتصارات، لأن الثوار في المعركة قد استهدفوا وبشكل مباشر وجدي وفعّال هذه المرة رئيس النظام واستهدفوا القيادة ومقر سلطة النظام في دمشق، ولقد تداعى ونتج عن انهزام واختفاء رئيس النظام ارتباك ثم شلل ثم مالبثت أن تفككت وتلاشت عصابات وميليشيات النظام التي كانت تسمى بجيش وقوات النظام ومخابراته، ولكي نتوافق على تقييم وتوصيف ما حدث في يوم 8/12/2024 بشكل صحيح واعتباره (انتصاراً نوعيّاً ومعركة مهمة في سياق الثورة السورية العظيمة وهي قفزة مهمة في طريق الوصول إلى تحقيق أهداف الثورة) ولكي نتوافق على هذا التقييم لا أكثر ولا أقل فلابدَّ من استعراض واستحضار أهم أحداث ومحطات ومنعطفات الثورة السورية.

1- لقد اندلعت الثورة السورية في 18/3/2011 ولكنها لم تلقَ الدعم والتأييد الدولي والخارجي بل إن معظم دول العالم وقفت إلى جانب النظام السابق، وإن سبب ذلك ببساطة هو انعدام لمصلحة لأي دولة في الثورة السورية وارتباط مصالحهم مع النظام الوظيفي، اي بسبب المصالح تلتي هي دين وقانون السياسة المعاصرة.

2- لقد اصطفت مكونات من الشعب مع النظام وقد والته وأيدته وحاربت معه، ومنذ البداية فإن إيران بكامل أذنابها واتباعها حاربت مع النظام بكل قوتها واستطاعتها.

3- ولقد تم حرمان الثوار والفصائل القتالية من وصول الأسلحة الفعّالة والمتطورة وحرمانهم من الدعم المالي.

4- نتيجة لاستمرار الثورة بالانتصار والتوسع في السيطرة فقد تقرّر دوليّاً تكليف روسيا العظمى بالتدخل العسكري المباشر في داخل سورية فدخلت روسيا بقواتها البرية المدرعة وبسلاح الجو والطيران الروسي وهي مزوّدة بالضوء الأخضر الدولي للقتل والتدمير وتنفيذ معارك الأرض المحروقة.

5- واستمرت الثورة وتحولت إلى حرب تحرير شعبية بين الشعب السوري الثائر من جهة أما من الجهة الثانية فهناك دول مباشرة وبشكل علني مثل روسيا وإيران ودول أُخرى بشكل سري او غير مباشر والنظام وعصاباته وميليشياته الحاقدة المجرمة ومعهم عشرات الميليشيات الأجنبية.

6- ولقد استمرت الحرب واستمرت ضد الشعب السوري الثائر عمليات التدمير الشامل والقتل والاستنزاف والسرقة والتعفيش وكذلك التشريد والتهجير القسري او الاضطراري وبقي العالم يتفرج.

7- وبشكل علني وصريح لقد استمر ما تمت تسميته (التوافق الدولي) لقد تواصل التوافق الدولي أي التآمر الدولي على حماية النظام والمحافظة عليه ومحاولة تلميعه وإعادة تأهيله وتمكينه، واستمر جميع اللاعبين بممارسة سياساتهم وفق مصالحهم واستمر تقاسم النفوذ والمصالح ولقد استمر ذلك حتى نشوب الحرب في أوكرانيا.

8- لقد انفجر التوافق الدولي فور اندلاع الحرب في أوكرانيا وقد توقعت أنا الحرب قبل وقوعها، وربطتُ بين مسألة الثورة السورية وما يحدث في أوكرانيا وكتبت مقالاً بعنوان (إذا أردت أن تعرف ما في سورية فيجب أن تعرف ما في أوكرانيا).

ولقد كتبت منذ الساعات الأولى أنه بحرب أوكرانيا اختلفت توجهات ومخططات الدول وأن العالم ما قبل حرب اوكرانيا ليس كما هو بعدها، ونتيجة لحرب أوكرانيا وتداعياً لأحداثها ولتطوراتها فقد تأثرت سورية بشكل كبير وعميق وربما حاسم، وذلك لأسباب عديدة منها:

1- لقد تم انشغال روسيا بشكل شبه كامل بشأنها وبعدوٍّ يطرق حدودها ولقد ضعفت روسيا عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

2- لقد قوي موقف تركيا وازدادت أهميتها لدي القطبين (الولايات المتحدة وحلف الناتو وروسيا وحلفها).

3- لقد تقرّر في أمريكا ضرب إيران وأتباعها وأذنابها والسبب الرئيسي والمباشر هو أن إيران حاولت التحالف مع روسيا فتقرر تدمير جناح روسيا الإيراني.

4- لقد قرّر الأمريكان تجميد مشروع كوردستان وأحد الأسباب هو استرضاء تركيا.

5- لقد قرّر الأمريكان إضعاف روسيا في الخارج وتحجيمها وحسرها داخل حدودها.

6- وتطبيقاً لقرار تحجيم روسيا فقد اضطر الأمريكان إلى التعجيل بالقرار بإنهاء النظام السوري السابق واستبداله، لأن النظام السوري الذي هو من صناعة الغرب تم زجّه وإلصاقه سابقاً بالضفة السوفياتية التي ورثتها روسيا ولقد أصبحت سورية قاعدة لروسيا، وللروس نشاطات وارتباطات ونفوذ في سورية ولذلك فالخيار الأفضل كان بإنهاء النظام.

8- إن الأمريكان وفي الفترة الأخيرة من عهد الإدارة السابقة (إدارة بايدن) قد قرّروا رفع الحماية عن النظام السوري وأعطوا الضوء الأخضر بإسقاطه ولكن الأمريكان وحلفاءهم لم يكونوا يريدون أن يتم الإسقاط بشكل فوري بل على مهل وضمن مراحل وعلى الأقل حتى وصول إدارة البيت الأبيض الجديدة.

9- إن تركيا – ولأسباب تتعلق بمصالحها وبأمنها القومي أولاً – قررت انتهاز الفرصة السانحة واستغلال الضوء الأخضر الأمريكي الذي قد يتغيّر إضافة إلى استغلالها لإنهاء التكليف الروسي وتدهور العلاقة بين روسيا والأمريكان، وإن تركيا التي كانت تعرف مسار ومجرى السياسة الأمريكية والدولية كانت قد أعدت ودرّبت وجهّزت قوات منظمة لمثل هذه المعركة التي كانت متيقنة من مجيئها في وقت قريب، ناهيك بحجم القوات التركية المرابطة داخل سورية وعلى الحدود فيما لو تطلب الأمر تدخلها المباشر، وهنا حرّكت تركية العمل العسكري من خلال الفصائل المسلحة وقد دعمتها بأهم الأسلحة الفعالة مثل الطائرات المسيّرة.

10- ونتيجة لتراكم كل ما سبق من تقهقر وضعف في جانب النظام وحلفائه وداعميه بمقابل تماسك وإرادة وتزايد بالقوة في جانب الثوار فقد بدأت قوات النظام بالهزيمة والانسحاب والثوار يتقدمون بخطوات ثابتة، ما يسبب بدوره ضعفاً وهزائم إضافية للنظام وقوةً وثقةً بالنفس والانتصار لدى الثوار، وقد استمر تقدم الثوار الذي فاجأ الدول اللاعبة.

11- وعند حدٍّ معيّن من المعركة وتقدم الثوار بدأت الضغوط الدولية الجادة لوقف تقدم الثوار وانحسار النظام وقواته، وبدأت طروحات وتصورات لتراجع الثوار إلى الخلف والاكتفاء بالسيطرة على مدينة حلب وكذلك الضغط على النظام لكي يقبل سريعاً بتطبيق القرار الأممي/2254/ وإن مجريات المعركة وسقوط حلب بيد الثوار سوف يسهّل اقتناع حاضنة النظام بهذا الطرح، ولكن تسارع مجريات المعركة أبقى المعركة من حلب حتى حمص في تطوير سريع وعند حمص ازدادت الطروحات جدية.

12- أما المفاجأة الفعلية والتي حسمت الموقف تماماً فقد كانت في هجوم الثوار من جهة الجنوب حيث انطلقت مجموعات منظمة بقيادة وتنسيق من قبل فصيل شباب السنّة الذي تم إلصاق اسم اللواء الثامن به فقد تحرك اللواء الثامن بشكل منظم وبقتال جبهيٍّ كاسح وشامل وقد شارك اللواء الثامن فصائل ومجموعات الثوار في حوران في قسمها الغربي وفي المدينة والقسم الأوسط ثم التحق بهم مجموعات من ريف دمشق الجنوبي الغربي، وخلال أقل من أربع وعشرين ساعة كان ثوار الجنوب في قلب دمشق وقد اقتحموا مقرات النظام بقوة صاعقة ما أدى فوراً إلى فرار رئيس النظام وتركه لقصوره ومقرّاته وقد تبعه بذلك جميع قادة الوحدات والميليشيات ورؤساء الأفرع المخابراتية والعصابات، وإن أكبر دليل على ما قلناه هو بقاء رئيس النظام في دمشق في حالته الطبيعية رغم تقدم الثوار في الشمال – وذلك لاعتقاده ولإعلامه من قبل اللاعبين بأن كل ما يحدث على الأرض إنما له سقف يقتضي بقاء النظام لمرحلة انتقالية – أما عندما تفاجأ بهجوم الجنوب واقتحام العاصمة ومحاصرة القصور فقد اضطر رئيس النظام للهروب السريع وغير المدروس ولا متوقع حتى، ويدل على ذلك مقتنيات رئيس النظام وألبسته وصوره الخاصة وذات الخصوصية التي تركها بشكل مستهجن.

13- هجوم الثوار من جهة الجنوب حدث كردة فعل وبشكل عفوي ودون تحكّم وضبط تام من الخارج، وهذا ليس ضعفاً أو عجزاً بلاعبي الخارج وليس قوة استثنائية متمرّدة من قبل الثوار، إنما الأمر بسبب خطأ في تقدير القوة والتوازن وبتقدير مستوى الإرادة والعزيمة الثورية وقد ساعد في ذلك الزخم الثوري والاندفاع واكتساب الثقة بالنفس مع سرعة الاحداث بشكل أسرع من التواصلات.

– وبهذا الشكل وفي هذا اليوم 8/11 قد حدث انتصار مفصلي ونوعي وحاسم تمثل بهزيمة رئيس النظام وميليشياته وبدخول الثوار إلى دمشق العاصمة وسيطرتهم عليها.

– ولكن لماذا لا نسمّيه (يوم التحرير)؟ الجواب: لأننا نتكلم عن الثورة السورية وعلى مستوى البلاد كاملة، فهل تم تحرير كامل البلاد بشكل تام؟ لا.. لأن هناك محافظات كاملة لازالت غير محررة وهناك أجزاء من محافظات أخرى.

هل تم التحرّر والتخلّص من سيطرة وتأثير اللاعبين الدوليين والذين لازالوا هم صانعي الأنظمة ومحدّدي مصير ونمط حياة الشعوب الضعيفة وهم كذلك مصمّمي الخرائط والتوازنات؟ لا، لم يتم التخلص والتحرر من سيطرة هؤلاء.

– ولماذا لا نعتبره الانتصار النهائي والحاسم ونعتبر ان في هذا اليوم قد انتهت الثورة السورية العظيمة؟

الجواب: لأن الثورة هي تغيير جذري شامل في البلاد، فهل حدث تغيير جذري، ولأن الثورة تنتهي بتحقيق أهدافها وبفرض مبادئها، فهل تحققت أهداف الثورة وعلى رأس هذه الأهداف:

– محاسبة جميع قتلة ومجرمي النظام السابق وتحييد كامل رعيل وموظفي النظام الفاسدين والانتهازيين، وكذلك انتزاع كامل الاسلحة والذخائر والعتاد من أيدي ومستودعات ومخابئ الشبيحة الأعداء وكذلك يتم تفكيك كامل المجموعات والعصابات التي أسسها النظام في جميع مناطق سورية وكانت تحارب الثورة والثوار في صفوف النظام.

– ثم إنصاف الثوار والحاضنة الشعبية الثورية وإعطائهم حقوقهم كاملة وخاصة الجرحى، ثم الإخلاص للشهداء ولدمائهم وما تقتضيها من قيم ومبادي.

فهل حدث شيء من هذا؟

– إذن ما هو المانع أو العيب أو الخطأ في اعتبار يوم 8/11/2025 أنه مجرد يوم انتصار نوعي وأنه انتصار في معركة استثنائية شكلت عتَبَةً مختلفة ومرحلة بنّاءة في درب الثورة؟.

إنها تشبه معركة ميسلون أو اندلاع الثورات والمقاومة ضد الاحتلال الفرنسي وتشكيل الجبهة الوطنية إن كل ذلك لم يكن استقلالاً وحريةً وجلاءً فرنسيّاً عن سورية، ولكن لقد كانت كلها محطات متكاملة لإحراز الجلاء الفرنسي، والأمثلة المشابهة كثيرة مثلاً في القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني وغيرها.

– إن أحرار الشعب السوري والثوار الحقيقين يتمنون إنجاز التحرير الحقيقي وهم لازالوا يناضلون ويكافحون ويواصلون ثورتهم العظيمة حتى تنجز أهدافها التامة في تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة لكي تبدأ عملية البناء والازدهار والالتحاق سريعاً بركب الحضارة الإنسانية ونهجها الصحيح والمنشود.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني