
لن أحدثكم اليوم عن الجنيات.. اللواتي يسرقن الكحل من العيون النّاعسة.. ولا عن الساحرات بشعرهن المنكوش.. والمكانس التي تتحوَّل لطائرات.. لن أحدثكم عن كسّارة البندق لأنّني أصلاً.. لا أعرف سوى العنوان.. ولا عن الفتاة التي تحوّلت إلى بجعة بعد أن أحبّت الأمير.. لن ولن ولن.. فأنا لا أُجيد رواية القصص.. أنا فقط أكتبها.. لذا عليكم أن تعذروني..
مرحباَ.. أنا ريتّا.. نعم ريتّا.. أعشق الأزرق.. ونزار قباني.. كعادة المراهقات اللواتي في الثامنة عشر.. عائلتي بأكملها صعدت إلى السماء قذيفةٌ لعينة كانت كافيةً لأن تحرمني.. من أمي وأبي.. وأختي الصغيرة دعاء.. وقتها لم أكن في البيت.. كنت ذاهبةً لأشتري لدعاء كرةً زرقاء.. دعاء مثلي تعشق كلّ ما هو أزرق.. السماء.. البحر.. العصافير.. والكرات الزرقاء..
دعاء كانت في الصّف الأول… نحن الصغار لا علاقة لنا بالحروب… الحرب خلقت للأغبياء الكبار.. لم يصرّون على إشراكنا بها؟.. هل أخبركم بسرٍّ صغير… الكرة الزرقاء وضعتها مع جسد أختي الصغيرة.. حين دفنوها في حديقة الحارة ومعها رسالةٌ صغيرة أرسلتُها إلى الله.. أطلب فيها أن يسمح لدعاء بأن تلعب بكرتها هناك.. في السّماء.. ستكون سعيدة.. سماءٌ زرقاء وكرةٌ زرقاء.. أعتقد أنَّ الله.. لن يمانع.
الحرب.. الحرب.. الحرب.. هي العنوان الأكبر
المدينة الجميلة.. بجسورها.. وبيوتها المتلاصقة مثل(حبابات) يشعرن بالبرد.. الأسواق المقبية.. الغرب.. والزل.. كلها صارت رماد.. احترقت… وأنا مازلت أعشق كلّ ما هو أزرق.. أنا الآن أعيش مع عمتي.. في منزلها الذي بقي صامداَ بعض الشيء.. لن أدخل في التفاصيل.. لا علاقة لكم بعمتي.. لقد جئتكم اليوم لأحدثكم عن ريتا.. الفتاة الشقية.. كان أبي يحب أن يناديني بالجنية الصغيرة.. كان طوال اليوم ينادي.. أين هي جنيتي الصغيرة.. أين ذهبت أيتها الجنية كنت أحب هذا… رغم أني لا أحبُّ الجنيات ولا قصصهن المقيتة..
أنا ريتا ما بعد الحرب.. مجرّد فتاة بائسة تقتات على ما تبقّى لديها من حلم… في كلِّ ليلةٍ أحلم.. لدرجة أن الأحلام صارت تراودني دون أن أحتاج إلى النوم.. جارنا في المنزل الذي تقطن به عمتي العزباء.. سمعته يهمس لها وهو يسرق قبلة تحت درج البناية.. هذه الفتاة بحاجة إلى شيخ.. هذه الفتاة.. ملبوسة.. فكافأته عمتي بقبلة أخرى.. لا تستغربوا.. تحت درج البناية.. يوجد أطنان من القبل السريعة.. لعشاق اصطادتهم الحرب.. بقناصةٍ كاتمةٍ للصوت.
أنتم تحرجوني وتخرجوني عن موضوعي الذي جئت لأحدثكم عنه.. وهو كيف تحوّلتُ إلى دراجة.. الحلم أصبح عادةً… مرّةً حلمت بأنني قطة.. ومرّةً حلمت بأنني شارة مرور.. وبجانبي شرطي.. ينظم مرور الطائرات التي تقصف مدينتي.. ومرة حلمت بأنني نهرٌ يغني.. أحلامي غريبة.. ولكن أغربها.. حين حلمت بأنني دراجة هوائية زرقاء.. كنت أغطُّ في نومٍ عميق.. كنتُ متعبة.. مثل كلِّ الوجوه التي أشاهدها في الشوارع.. حلمت بأنني دراجة زرقاء بإطارين زرقاوين.. فيما صوت أبي يصرخ من بعيد.. انتبهي أيتها الدراجة الزرقاء.. انتبهي يا جنية الحوادث كثيرة هذه الأيام.. والناس مجرد عميان.. لا أدري لم كان أبي يشبه (ساراماغو)
استيقظت صباحاَ.. فلم أجد ريتا.. كل ما وجدته هو دراجةٌ هوائيةٌ زرقاء.. بمقودٍ جميل.. مركونةٌ تحت درج البناية.. نعم نفس الدرج.. الذي يتبادل فيه عشاق حارتنا.. قبلاتهم الجاهزة.. أنا الآن أحدثكم.. وأنا دراجة.. لا تستغربوا.. لقد تعلّمتُ الكلام حين كنت ريتا.. لم أعد أحلم والحرب لم تتوقف.. الدراجات لا تجيد الحلم.. أنا حزينة.. مجرّد درّاجةٍ زرقاء مركونةٌ تحت درجٍ قديم.. بلا فائدة.. أريد أن أنام.. أريد أن أنام.. انتظروا انتظروا.. الحكاية لم تنته.. هاهو ولدٌ صغير.. يحمل خرقة بيضاء.. يقوم بتلميع الدراجة التي هي أنا.. يخرجني بهدوء.. يا إلهي.. إنه بقود بسرعة جنونية.. المدينة المدمرة صارت خلف ظهره.. بينما الشمس ترمي بخيوطها على أرصفة المدينة الطويلة.. الولد يبدو سعيداَ وهو يقود بسرعة جنونية.. تختفي المدينة المدمرة.. ويختفي دوي القذائف.. يعلو صرير العجلات الزرقاء.. والولد مازال سعيداَ وهو يقود بسرعته المجنونة.. هل أخبركم بسر.. صحيحٌ أنني مجرّد دراجة زرقاء.. ولكني سعيدة.
حازت على جائزة الأديب الراحل تميم صائب