حين تتحوّل الثروة إلى امتحان لصلابة الدولة

0

تتقدّم الثروة الطبيعية في عالم اليوم بوصفها قوة تتجاوز معناها الاقتصادي المباشر، فهي لا تأتي دائماً في صورة مورد ينعش الخزائن، بل كثيراً ما تتحوّل إلى عنصر يعيد رسم ملامح السلطة ويحدد مستقبل الاستقرار السياسي. فحين يتدفّق الرّيع بسهولة، يبدأ شكل الدولة في التغيّر، إذ يصبح المورد نفسه جزءً من لعبة النفوذ، وتتحوّل السيطرة عليه إلى مفتاح لفهم من يحكم ومن يُنازع على الحكم.

من هذا المنطلق، لم تعد العلاقة بين الموارد والصراعات مجرد فرضية تُختبر في المختبرات الأكاديمية، بل واقع يتكرر في مناطق مختلفة من العالم، فحين يكون المورد ضخماً مثل النفط، يبرز إغراء السيطرة على مركز الدولة باعتباره الجائزة الأكبر، ففي المناطق التي تحتضن هذه الموارد، يتنامى الإحساس بأن من يملك القدرة على التحكم بالمورد يملك القدرة على التحكم بمستقبل الجماعة كلها، هذا الشعور يعيد تشكيل الطموحات السياسية، ويفتح الباب أمام مطالب الانفصال أو إعادة التفاوض حول شكل الدولة المركزية، ويعود ذلك غالباً إلى كون هذه الموارد متركّزة جغرافياً في مناطق محددة، ما يجعل الجماعات المحلية تشعر بأن ثروتها تُدار من المركز دون تمثيل كافٍ، فتبرز مطالب إعادة توزيع السلطة أو حتى الانفصال، وهكذا يتداخل الاقتصاد والجغرافيا مع السياسة، فيتحوّل النفط إلى لاعب أساسي يغيّر خريطة المطالب والمصالح.

في الضفة الأخرى من المشهد، تظهر الموارد التي يسهل نهبها مثل المخدرات والآثار، هذه الموارد لا تخلق رغبة في الانفصال أو السيطرة على الدولة، بل تمنح الجماعات المسلحة قدرة على تمويل نفسها، وتحوّل الحرب إلى نشاط مستدام بحدّ ذاته، في مثل هذه الحالات، يصبح العنف ليس مجرد وسيلة، بل آلية اقتصادية تسمح باستمرار النزاع سنوات طويلة، لأن تمويله لا يعتمد على الدولة بل على الموارد المنتشرة في مناطق يصعب ضبطها، وهنا تتشكّل حلقة دائمة تتمثل بمورد سريع الاستغلال، جماعات مسلحة تعتمد عليه، وحربٌ تطول لأنها تجد ما يغذيها.

في المقابل، تقف الموارد الزراعية خارج هذا النسق تقريباً فهي لا تحمل السمات نفسها التي تجعل من النفط جائزة سياسية، ولا تتيح إمكانات التمويل الذاتي التي توفرها الموارد المنهوبة. لذلك تبدو أقل قدرة على الارتباط بالعنف السياسي أو الحروب الأهلية، ما يكشف أن نوع المورد أهم بكثير من وجوده بحدّ ذاته.

غير أنّ تأثير الموارد يبقى مشروطاً بقدرة الدولة نفسها على إدارة هذه الثروة ضمن إطار مؤسسي متماسك، ورغم هذا التنوع في تأثيرات الموارد، تتجمع الخيوط كلها عند نقطة مركزية وهي هشاشة الدولة التي تحدد ما إذا كانت الثروة ستبني المؤسسات أم ستقوّضها، فالدول التي تعتمد على الرّيع بشكل كبير غالباً ما تُهمل تطوير جهاز إداري فعّال، لأنها لا تحتاج إلى ضرائب المواطنين لتسيير شؤونها، ومع غياب الضرائب، يتراجع الحوار السياسي بين الدولة والمجتمع، فلا يتكوّن عقد اجتماعي مستقر يستوعب التوترات، بحيث تصبح الدولة غنية بالموارد ولكن فقيرة في القدرة على الحكم، فتبدو قوية في مظهرها العسكري وضعيفة في بنيانها المؤسساتي.

هذا الضعف يفتح الباب أمام صراعات داخلية، لأن السيطرة على الدولة تتحوّل إلى فرصة ذهبية لمن يسعى لاحتكار الرّيع، ويصبح مركز السلطة نفسه مجالاً للتنافس الحاد، وتتحوّل الموارد من ثروة وطنية إلى عامل يعمّق الاستقطاب. بذلك تتقدّم المؤسسات الهشة إلى قلب المشهد فهي لا تمنع نشوء النزاعات، ولا تمنح الشرعية الكافية لاحتوائها. عند هذه النقطة، تغدو العلاقة بين الرّيع والحرب مساومة حساسة، إن توفرت مؤسسات قوية قادرة على الإدارة والمحاسبة، تحوّلت الموارد إلى محرك للتنمية، وإن غابت، تحولت هذه الموارد إلى عامل يضرب تماسك الدولة ويغذي الطموحات الانفصالية ويمنح الحروب القدرة على البقاء.

فالمسألة إذن ليست في كمية الثروة، بل في قدرة الدولة على إدارتها ضمن إطار مؤسسي متماسك، حيث تبدو الدول الغنية بالموارد أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تُسخّر الثروة لبناء مؤسسات قادرة على الصمود، أو أن تصبح أسيرة لمورد يفرض منطقه الخاص ويعيد تشكيل السلطة من جديد. بهذه الصورة، يصبح الرّيع اختباراً لصلابة الدولة، ومعياراً لكيفية تفاعل الاقتصاد مع السياسة حين تتداخل المصالح الكبرى مع بنية الحكم نفسها.

مقدام البربور

05.12.2025

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني