
سوريا في التحالف الدولي… ماذا بعد؟
كانت استدارة العهد السوري الجديد سريعة جدّاً في نقل سوريا الأسد إلى اتجاه آخر مختلف جذريّاً بل مُناقض تماماً، ويبدو أنّ القيادة كانت تملك تصوراً للمسير في اتجاه هدف حدّدته لسوريا الجديدة. كما أنّ السرعة فاقت كل التوقعات في فتح أبواب عواصم القرار العالمي لتلك القيادة ورفع كل التصنيفات السيئة عنها. ولا شكّ أنّ ذلك تمّ في البداية بحذر شديد، ولكن الاحتضان السعودي والتركي والقطري لها وضمانتها أمام المجتمع الدولي، إضافةً إلى الخطاب والأفعال التي صدرت عن القيادة، ساعد ذلك كثيراً في تقليل فترة الحذر أو الاختبار الدولي بحيث كانت الأبواب مشرعةً لهذا الوافد الجديد الذي يحمل معه كل الجغرافيا السياسية لسوريا ويرغب في تموضع جديد يحقق المصلحة للشعب السوري الذي عانى الكثير منذ نشأة الكيان السوري وازدادت معاناته في العقود الستة الأخيرة لِكون حقبتي الأسد وظّفتا الجيوبولتيك السوري لخدمة النظام فقط، مما أوصل سوريا في نهاية المطاف لأن تكون جمهورية الخوف والكبتاغون والميليشيات…
كان نظام الأسد منذ تأسيسه يدور في المحور الشرقي أيام السوفييت، ثم ارتبط ارتباطاً وثيقاً بنظام ولاية الفقيه إضافةً إلى ارتباطاته السابقة، وكان يتخادم مع المحور الغربي في ملفات محددة. وبعد أقلّ من عقد من حكم الأسد الأب بدأت رحلته مع العقوبات الأمريكية وبات تصنيفه كدولة مارقة وراعية للإرهاب ملازماً له حتى إسقاطه…
انتهجت القيادة السورية طريقاً لنفض الرماد والغبار والأدران عن سوريا محاولةً إعادة تعريفها لنفسها ودورها ثم تقديمها للعالم بأنها دولة جديدة تريد العيش بسلام مع الجميع، ولن تعبث بأمن أحد ولا تريد لأحد التدخل في شؤونها الداخلية. وتريد بناء علاقات متوازنة مع الجميع بما يراعي مصالحها ودون التخلي عن حقوقها وثوابتها. وسارت على هذا الطريق بحيث تم استقبال رئيسها في أهم العواصم الدولية منها أنقرة والرياض وباريس وموسكو وواشنطن، ولا تهدأ الدبلوماسية السورية عن الطيران إلى مختلف أرجاء المعمورة لضخ المياه وجريانها في الجداول الدبلوماسية التي جفّت بفعل سياسات النظام البائد.
من الطبيعي أنّ إسقاط نظام الأسد عسكرياً بعد مشاركة رعاته معه في الحرب بشكل مباشر يجعل سوريا الجديدة في الضفة الأخرى؛ وهذه نتيجة طبيعية حيث كان المحور الشرقي هو العدو الرئيسي للثورة السورية التي وصلت الآن إلى سدّة الحكم.
سوريا لا تستطيع أن تكون دولة محايدة لا تنتمي لأي محور، وذلك بسبب الجيوبولتيك السوري الفريد ولعنة الجغرافيا بوجود إسرائيل، إضافةً إلى توَسّطها منطقة تعجّ بالتنوع الديني والإثني والهوياتي، وكل ذلك متداخل مع الإقليم كله ويرتبط به ارتباطاً عضوياً. كما أنّ سوريا تمثل حلقة الوصل بين قارات العالم القديم الثلاث وتمرّ منها طرق الحرير وأنابيب الغاز والبترول وكوابل الاتصالات. ولم يبالغ كثير من الكتاب والسياسيين عندما أطلقوا عليها أوصافاً كمفتاح الشرق الأوسط أو قلب العالم… إلخ.
لم تشكّل سوريا النظام الدولي أحادي القطب الذي تقوده الولايات المتحدة، ولا يمكنها تحدّيه أو مناكفته أو خوض حرب معه؛ وكل الحصافة تُملي التموضع به بغضّ النظر عمّا إذا كنا نحبه أم لا أو هل هو عادل أم لا؟ إنه أمر واقع يجب التعامل معه بحيث يتحقق أكبر قدر من المصالح للشعب السوري.
أيضاً التقط الغرب لحظة التحول الاستراتيجي في سوريا في حمأة الصراع الدولي وبدأ يستجيب للإشارات السورية الصادرة عن دمشق، بحيث تمكن أولئك الثوار السوريون ذوو الإرادة الصلبة والتسليح الضعيف من تقديم أكبر هدية للغرب (دون أن يقصدوا ذلك) بإلحاق الهزيمة بأقطاب المحور الشرقي ووكلائهم، وباتت سوريا مرشّحة لأن تكون في المحور الآخر…
وباتت الدولة السورية مرشّحة بقوة لبلورة هوية سياسية واضحة وليست رمادية، وهي هوية غربية، وتجسّد ذلك في نتائج زيارة السيد الرئيس إلى الولايات المتحدة حيث كان من النتائج البالغة الأهمية انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وهو تحالف غربي راغب لمهام محددة أشبه بناتو كبير.
تم الإعلان عن انضمام سياسي لسوريا لتكون الدولة التسعين فيه، بحيث ستكون الدولة السورية وجهازها السياسي والأمني والاستخباري جزءاً من التحالف، وقد بدأ بالفعل القيام بأعمال مشتركة. وتستعد الآن الدولة السورية، باعتبارها الشريك الوحيد الشرعي في سوريا، لمحاربة الإرهاب باستلام السجون التي يُحتجز فيها أفراد تنظيم الدولة والمخيمات التي تقطنها عائلاتهم. وبالطبع ستحتاج مؤسسات الدولة السورية وعلى رأسها المؤسسة العسكرية إلى إعادة تأهيل كما يتم تأهيل الدول الراغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مثلاً، بحيث تتم المساعدة الاقتصادية والحوكمية وضمان استقرار المجتمع بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وبناء دولة المؤسسات، وستحظى المؤسسة العسكرية بأكبر الاهتمام والدعم لتكوين جيش احترافي حديث في أقصر مدة ممكنة.
وبالطبع هذا لا يمنع أو يُكبّل الدولة السورية عن بناء علاقات طبيعية مع كل من روسيا والصين يغلب عليها المستوى السياسي والاقتصادي العادي، مع مراعاة فترة انتقالية للجيش السوري بالاعتماد على بعض الأسلحة الروسية البرية وتأمين قطع غيارها وصيانتها، لكن دون الوصول إلى الأسلحة النوعية كالطائرات والصواريخ وأجهزة الاتصالات وشبكات الدفاع الجوي والرادارات. إذ يُفترض أن تأتي هذه الأنظمة من مصادر غربية بعد تدمير ما تبقّى من بنى تحتية لجيش الأسد عقب سقوطه. وقد يكون محاكاة النموذج التركي ما سيتم تطبيقه في سوريا، حيث إن تركيا دولة عضو في الناتو تلتزم بأهدافه مع علاقات جيدة مع روسيا وصلت إلى حدّ بناء مفاعلات نووية سلمية.