
دمشق تطرق أبواب العالم من جديد
سوريا بين التحولات الإقليمية وإشارات الانفتاح الدولي
تعيش سوريا في الأسابيع الأخيرة واحدة من اللحظات السياسية الأكثر حساسية منذ سنوات طويلة. ورغم أن البلاد اعتادت التحولات المفاجئة في السنوات الماضية، إلا أن ما يجري اليوم يبدو مختلفاً، ويكشف أن المشهد السوري يدخل مرحلة جديدة، سواء على مستوى العلاقة مع الولايات المتحدة، أو في طريقة تعامل القوى الإقليمية مع دمشق.
تكتسب زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن أهميتها من كونها الأولى من نوعها منذ عقود طويلة. ورغم أن الزيارة حملت طابعاً سياسياً واضحاً، إلا أنها تحمل في مضمونها إشارة إلى رغبة أمريكية في إعادة فتح قنوات التواصل المباشر مع القيادة السورية الجديدة، بعد سنوات من المقاطعة والعقوبات. كما أن قرار الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة رفع أسماء الرئيس ووزير الداخلية من قوائم الإرهاب يعكس تحوّلاً في طريقة قراءة المجتمع الدولي للوضع السوري، أو على الأقل استعداداً للتعامل مع مرحلة سياسية جديدة في دمشق.
عودة تدريجية إلى الطاولة الدولية
الزيارة لا تعني بالضرورة أن الطريق أصبح مفتوحاً أمام دمشق بالكامل، لكنها خطوة رمزية كبيرة تعطي القيادة السورية مساحة للتحرك سياسياً بعد سنوات من العزلة. ويبدو أن واشنطن باتت ترى أن استمرار الفراغ في الملف السوري يهدد الاستقرار الإقليمي، ويفتح المجال أمام قوى أخرى لتعزيز نفوذها، وهو ما لا يتوافق مع مصالحها.
اللقاءات في البيت الأبيض تناولت ملفات حساسة، بينها إعادة هيكلة قطاع الأمن، شكل المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة، ومكافحة الإرهاب، بما في ذلك احتمال التعاون الأمني عبر إنشاء مواقع تدريب أو دعم فني داخل سوريا. ورغم أن هذه الطروحات لا تزال في إطار النقاش، إلا أنها تشير إلى سعي أمريكي لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في المنطقة، خصوصاً مع تراجع الحضور الروسي بسبب الحرب في أوكرانيا، وتغير أولويات إيران الإقليمية.
تحولات إقليمية واضحة
ردود الفعل الإقليمية على الزيارة عكست حجم التبدّل الحاصل في النظرة إلى سوريا:
تركيا أبدت استعداداً للتعامل مع دمشق الجديدة، مدفوعة برغبتها في ترتيب الملفات العالقة على حدودها الجنوبية.
إسرائيل تتابع التطورات بحذر، وتطرح مخاوفها المعهودة حول السلاح وانتشار الفصائل المسلحة في الجنوب.
إيران تواجه واقعاً جديداً قد يحدّ من قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها التقليدي في سوريا.
دول الخليج تعتبر التحرك فرصة لوضع سوريا على مسار أكثر استقراراً، ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب المنطقة اقتصادياً وسياسياً.
الاقتصاد… التحدي الأكبر
يبقى الاقتصاد السوري هو العنصر الأكثر إلحاحاً. فبعد سنوات من الحرب والعقوبات، وصلت البنية الاقتصادية إلى نقطة شبه انهيار، وتراجع الإنتاج وفرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة. وتدرك واشنطن أن استمرار هذا الوضع قد يدفع السوريين إلى موجات هجرة جديدة، بما يخلق أزمات أوروبية إضافية.
لذلك، بدأ الحديث عن تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل إصلاحات واضحة، وفتح قنوات تعاون اقتصادي بالتنسيق مع بعض الدول الخليجية، لكن هذه الخطوات لن تتحقق دون وجود بيئة اقتصادية وقانونية أكثر استقراراً داخل سوريا.
المعادلة الصعبة: الفصائل المسلحة
ورغم التحركات السياسية، تبقى مسألة الفصائل الجهادية من أكثر الملفات تعقيداً. فهذه المجموعات لا يمكن دمجها بسهولة، ولا يمكن تركها خارج سيطرة الدولة، ما يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن ضبط الأمن دون إشعال صراعات داخلية جديدة؟
خاتمة: فرصة موجودة… لكنها ليست مضمونة
سوريا تقف اليوم أمام نافذة سياسية واقعية قد لا تتكرر في المدى القريب. لكن نجاحها في استثمار هذه اللحظة يعتمد أولاً على قدرتها على ترتيب بيتها الداخلي، وبناء شراكات سياسية واقتصادية مستقرة، والابتعاد عن منطق المواجهة الذي حكم السنوات الماضية.
المعادلة واضحة:
العالم مستعد للانفتاح، لكنه ينتظر من السوريين أن يحددوا رؤيتهم لمستقبلهم.
فالقرار الحقيقي سيبقى في النهاية قراراً سورياً، يُصنع داخل البلاد لا خارجها.