
القاطرة السورية السعودية… البوصلة إستراتيجية والوقود اقتصادي
رحلة الشتاء والصيف، والتي ورد ذكرها في القرآن الكريم، تُعطي أقوى صورة عن الضرورات الإستراتيجية للعلاقة بين الحجاز وبلاد الشام عبر التاريخ، حيث تفرض الضرورات أن تكون العلاقة على أحسن حال، خاصةً في هذا العصر الذي تقلّصت فيه المسافات بفعل وسائل الاتصال الحديثة الرقمية والعادية.
وعلاقات شبه الجزيرة العربية مع الشام ضاربةٌ في أعماق التاريخ، وكان للقرشيين أملاك في دمشق إلى جانب التجارة، وعندما أراد هرقل السؤال عن الرسول الكريم استدعوا له أبا سفيان ليحدّثه عنه.
وهذا يدلّ على استشعار هرقل بالخطر المحتمل على الإمبراطورية البيزنطية من الجنوب بعد التغيّرات التي أحدثتها رسالة الإسلام بين العرب.
ولأنه نبيّ لا ينطق عن الهوى، كان صلى الله عليه وسلم يدرك أولوياته، وبدأ بالتفكير جدّياً في فتح الشام قبل العراق، وأرسل الحملات لذلك، فكانت معركة مؤتة هي البداية.
كما أنّ الدولة العثمانية أدركت أهمية الجغرافيا السياسية لبقاء الحجاز والشام وحدةً متكاملة متصلة ومنسجمة تحت نفوذها لضمان أمن الدولة في الأناضول. وفي فترات ضعف الدولة العثمانية تخلّت عملياً عن كثير من ممتلكاتها، ولكنها بقيت لآخر لحظة متمسّكة بالحجاز والشام، ولم تتخلَّ عنهما إلا مُكرهةً عندما أزفت شمس العثمانيين على الغروب بسبب الهزيمة الساحقة في الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية.
ولم يكن الخط الحديدي الحجازي طريقاً برياً فقط، بل كان يرمز لأهمية التواصل الحضاري بين الأقاليم الإسلامية الثلاثة (الأناضول وبلاد الشام ونجد والحجاز)، وكان هذا الخط هو الضحية الأولى التي أقدم المحتلون الأوروبيون للمنطقة (الإنكليز والفرنسيون) على إلغائها لقطع أواصر التواصل بعد أن قسّموا المنطقة إلى دويلات غير متجانسة. ولم يكن وعد بلفور لينجح ويؤسس لدولة يهودية في قلب العالم الإسلامي بوجود هذا التواصل.
أدرك السعوديون في القرن الماضي أهمية أن تكون سوريا دولة صديقة لهم للاعتبارات السابقة، وعملوا على ربط تصدير جزء من نفطهم عبر خطوط التابلاين التي تعبر سوريا، ولأنّ قهر الجغرافيا فرض على سوريا أن تكون جارة لكيان الاحتلال، كانت كل الجهود الدولية تصبّ في منحى قطع التواصل بين الشام والحجاز.
سادت في دول عربية عديدة وهامة موجة الانقلابات العسكرية القومية، وكلها كانت تُعلن العداء لإسرائيل وتُضمِر العداء للمملكة العربية السعودية، وأكثرها شرّاً كان انقلاب حافظ الأسد في سوريا، لأنه أخذ أيضاً طابعاً طائفياً وأصبح عداؤه مزدوجاً للمملكة. وبعد أفول موجة الانقلابات التي انتهت نهايات كارثية بسقوطها وبما خلّفته من دمار وتخلّف لشعوبها، بقيت المملكة تحثّ الخطى في سلّم الصعود والازدهار.
لم يُقصّر الجهاديون الإسلاميون في حربهم على المملكة، وحاولوا توريطها بأحداث أيلول 2001، حيث لم يكن صدفةً انتقاء خمسة عشر منفذاً سعودياً من أصل تسعة عشر، وكان بن لادن السعودي الجنسية هو الرمزية لذلك العمل، وفشلوا أيضاً في صراعهم مع المملكة…
جاء الهلال الشيعي الفارسي ليُكمل ما عجز عنه الآخرون في النيل من المملكة، وكان العداء واضحاً وصريحاً ومعلَناً، وبالوكالة أحياناً وبالأصالة أحياناً أخرى. وكانت إستراتيجية الحرس الثوري أنه ليستكمل السيطرة على المنطقة لا بد من تحطيم السعودية التي تقف حجر عثرة في طريقه. وتمكنوا بهلالهم المسلح العابر للحدود من تطويقها من ثلاث جهات، وكانت سوريا الأسد تمثّل بيضة القبان أو واسطة العقد في ذلك الهلال، وأحاطت مع الحكومة العراقية والحشد الشيعي بالمملكة من الشمال، وأحاط الحوثيون بها من الجنوب، فيما كان الحرس الثوري يحيط بها من الشرق.
لم ينسَ السعوديون وصف الهارب بشار الأسد لهم بأشباه الرجال في عام 2006، ولن ينسوا إغراقهم لاحقاً بالكبتاغون عقاباً لهم على الانحياز لصفّ الثورة السورية.
كانت الخطط الإيرانية تنحو باتجاه إسقاط الحكم الهاشمي في الأردن انطلاقاً من قاعدتهم السورية، ليكونوا على تماسّ كامل مع الأراضي السعودية للعبث بأمنها واستقرارها وازدهارها. وكان التخادم الإيراني كاملاً مع العبرانيين والأمريكان الذين لم يعترضوا على ضرب الحرس الثوري لمنشآت آرامكو في أيلول 2019، وحالوا قبلها دون استئصال الورم الحوثي في اليمن وتركوه شوكةً في الخاصرة، وهذه الشوكة أطلقت ألف صاروخ ومسيرة على المملكة واستهدفت حتى المدن المقدسة فيها.
بعد أن يئس الجميع من التغيير في سوريا، كان للسوريين كلامٌ آخر، وتمكنوا من اجتثاث الاحتلال الإيراني وأدواته المحلية خلال أحد عشر يوماً فقط. حصل التحول الجيوسياسي الكبير في المنطقة الذي كانت المملكة تعمل عليه حتى عام 2015، عندما حصل التوافق الأمريكي الروسي في سوريا لإبقاء الأسد في السلطة والحيلولة دون سقوطه، عندها خرجت من المشهد بعد أن تفرّغت لعاصفة الحزم في اليمن…
بسقوط الأسد وانهيار الهلال الشيعي بدءاً من سوريا، ووصول قيادة لم تُخفِ من اليوم الأول هواها السعودي ورغبتها في إنشاء أفضل العلاقات معها، وكان ذلك مكسباً إستراتيجياً هائلاً للمملكة، تحركت السعودية باكراً لتعويم التغيير الجديد في سوريا، فسارعت لتقديم مختلف أشكال الدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، فيما كان الأتراك يتولّون الجانب الأمني والعسكري. وليس أدلّ على ذلك من دعوة الرئيس السوري للقاء نظيره الأمريكي في الرياض، وإلقاء الأخير لخطابه الشهير برفع العقوبات عن سوريا ومديح الرئيس السوري الجديد…
وكان ظاهراً للجميع احتضان المملكة لسوريا الوليدة، وكانت الزيارات الاقتصادية وتوقيع مذكرات التفاهم، ثم دعوة الرئيس مؤخراً إلى أهم منتدى اقتصادي ترعاه المملكة وهو دافوس الصحراء، وضمان كل أنواع الاستثمار في سوريا وتقديمها للعالم كبيئة استثمارية واعدة وخصبة وآمنة. وما الإعلان عن طرق الربط البري بين المملكة وسوريا إلا إعادة إنتاج للخط الحديدي الحجازي الذي مضى قرنٌ على تعطيله، والذي يربط شبه الجزيرة العربية بالأناضول وأوروبا عبر سوريا.
لا يُشكّل الربح الاقتصادي أهميةً بنظر القيادة السعودية من استثماراتها في سوريا، وإنما هو لتأمين الأرضية لنجاح أي علاقات سياسية وتحويلها إلى علاقات إستراتيجية مستقبلاً.
ستعود رحلة الشتاء والصيف، وستكون بفعل ضرورات الجغرافيا والتاريخ رحلاتٍ على مدى الفصول الأربعة، تنقل إلى جانب التجارة أواصر الأخوة المتجذّرة عبر التاريخ.