سوريا وخيارات الاستثمار وإعادة الإعمار

0

الجزء الأول: لقد تم تدمير سورية وإرجاعها عقوداً إلى الوراء

وسوف ندخل مباشرة إلى صلب الموضوع وذلك بالسؤال الواضح: كيف يمكن إعادة بناء سورية وإعمارها وإزالة آثار الحرب الهمجية والإجرامية التي تم شنها ضد سورية وشعبها لمدة أربعة عشر سنة وأهم من ذلك انه تم التحضير لهذه الحرب من أكثر من خمسين سنة ونقصد بذلك الدكتاتورية وتبعاتها والنهج المتخلّف التي تم إخضاع سورية تحته لإضعافها، إذن نضيف: وكيف نزيل آثار التخلف ونستبدلها؟

وبداية نؤكد أنه من الغير المقبول نهائياً القول بأن سورية تم تحريرها ولكنها مدمَّرة بشكل كامل، لأن هذا القول هو تكرار لما هو معلوم ومفروغ منه منذ سنوات ومن لم يكن يعلم ويدرك ذلك فلا يحق له التصدّر وإمساك زمام هذه المرحلة الاستثنائية، إذن فلنباشر بمعالجة هذه المسألة والتعاطي معها بشكل واقعي وعلمي ونزيه وشفاف.

لا يغيب عن علم وتفكير أي مهتم أو متابع بأن حل المسألة يتطلب الأركان الرئيسية التالية:

1- التمويل وتوفير رؤوس الأموال اللازمة، 2- الإرادة القوية والجازمة 3- الإدارة الناجحة وما تستلزمه من اختيار الكوادر ذات الكفاءات والخبرات 4- تحقيق الأمن والاستقرار.

والآن لنبدأ بالنظر والبحث في طرق توفير هذه الأركان الشرطية لإنجاز إعادة البناء والأعمار.

إن جميع هذه الأركان ماعدا ركن التمويل إنها كلها شروط بسيطة يمكن تحقيقها بسهولة وذلك فقط من خلال إدارة وحكومة تعتمد بشكل حصري المؤسساتية والتكنوقراط والشفافية والوضوح خاصةً وأن الشعب السوري الذي ثار على العالم بأسره لتحقيق الحرية والعدالة والتقدم لا يفتقر أبداً للقامات الوطنية القديرة.

والآن لقد بقي أمامنا ركن وشرط التمويل وبحث طرق توفيره.

أولاً: الحصول على التمويل وتوفير الأموال اللازمة يتم بطريقتين:

الأولى: التمويل الخارجي وعن طريق الأطراف الخارجية غير السوريّة.

الثانية: التمويل الداخلي أي الاعتماد على الذات أي من مصادر سوريّة وطنية.

ولنبدأ بالنظر العقلاني الواقعي المتجرد من الخرافات والعواطف وننظر في الطريقة الأولى، لقد أصبح من المعلوم والمؤكَّد بأن إعمار سورية وإعادة تأهيلها ووضعها في مصاف الدول الطبيعية يتطلب مئات المليارات من الدولارات أو ما يعادلها وليس مجرد عملية بسيطة.

فهل رأينا أو سمعنا أو سجّل التاريخ أن دولة أو منظمة أو جهة ما قامت بمنح وإعطاء دولةً أخرى ولو عشرة مليارات دولار أو ما يعادلها دون مقابل؟ لا لم يتم ذلك أبداً، إذاً فدعونا بكل صدق وشجاعة نستبعد بل نسقط هذا الافتراض.

لقد بقي افتراض آخر وهو تقديم وتوفير التمويل ولكن بمقابل أو مشروط ولتفصيل ذلك فإن المقابل يكون على حالتين:

1- إما معاملة هذا التمويل معاملة القرض كي يتم تسديده كاملاً إضافة إلى فوائده المترتبة خلال المدة المحددة.

2- أو تكون هناك مصالح مشتركة أو منفعة أو خدمة يتم تأمينها وتقديمها مقابل القرض كاملاً أو جزء منه.

والآن لننظر ونفحص: في الحالة الأولى، فهل نحن في سوريا الجديدة حتى لو حصلنا على قروض تبلغ مئات المليارات ومعظمها من أجل الإعمار وترميم أو بناء البنية التحتية وبمعنى دقيق للجانب الخدمي والاستهلاكي وليس المنتج وذي الريع والأرباح، فهل سنستطيع أن نسدّد هذه المبالغ؟ وهل هناك جهات مالية حقيقية ومهنية تثق بقدرتنا على السداد لكي تقوم بإقراضنا؟

أما الحالة الثانية، فهل لدى سوريا فرص أو أدوات أو مجالات تمكنها من تأمين مصالح مشتركة بحجم مئات مليارات الدولارات وتشجع دولة ما على تقديم قروض بهذا الحجم طمعاً بالمصالح المشتركة الممكنة؟

ولكي نتحرى الافتراضات والتصورات كافة فنسلط الضوء على ما ينتشر الحديث حوله وهو قروض من البنك الدولي أو من بنوك اخرى، ولكن حتى لو تجاوزنا عن مدى الواقعية وافترضنا إمكانية حصول القرض، ولكن هل البنك الدولي يمنح قروضاً بهذا الحجم؟ وإذا منح فإن ذلك يحتاج إلى ضمانات إما ذاتية أي من قبل سورية ومقدراتها الموجودة فعلاً أو اقتصادها وناتجها القومي المحتمل مستقبلاً، وهذا لا ولن يكفي ويقنع ويشجع لمنح قروض ضخمة، أو سوف يحتاج الأمر لضامنين خارجيين وهذا لن يتوفر.

ونكرر بأننا لن نستطيع تسديد القروض وسوف نخضع إجبارياً وبشكل قانوني لشروط سيادية قاسية سيتم فرض تطبيقها مثل رفع حجم الضرائب وتخفيض الرواتب والأجور وإلغاء قنوات الدعم الحكومي ثم الإجبار على خصخصة الممتلكات العامة ثم بيع أو تأجير بعض المرتكزات السيادية للخارج وهذه الإجراءات قد تدخل البلاد في دوامة نحتاج بعدها إلى دور ثانٍ من إعادة التأهيل، إذن لا يمكن الاعتماد على التمويل الخارجي ويجب استبعاد افتراضه لتوفير الوقت والجهد وعدم إلهاء الشعب بما يستحيل توفيره.

والآن إذا قرّرنا الاعتماد على التمويل الداخلي الوطني والذاتي، كيف سنتمكن من توفير مبالغ ضخمة بمئات مليارات الدولارات؟

1- يجب أن نفتح جبهتي عمل: الأولى، للإعمار والإسكان وترميم وبناء مقومات وعناصر البنية التحتية، والثانية، للاستثمار في مجالات الإنتاج كافة بهدف تأمين فرص العمل والقضاء على البطالة وبهدف زيادة الناتج المحلي والدخل القومي.

وسوف نتحدث عن كل مجال بشكل منفصل:

أولاً: مجال إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية

1- يجب تقدير وتحديد حجم المشكلة بشكل دقيق لتقدير حجم التمويل اللازم.

2- لحل مشكلة الإسكان نحتاج إلى بناء مليوني وحدة سكنية (2 مليون منزل) وهي ما تم تدميره وتخريبه خلال الحرب التي شنها النظام المخلوع إضافة إلى النقص الناجم عن النمو السكاني، وهذا الحجم من البيوت يؤوي حوالي 8 مليون نسمة ما يعادل ثلث سكان سورية، وهذا بحساب متوسط أفراد الأسرة = 4.

3- الآن نقوم بتقدير التكلفة اللازمة لبناء هذا الكم من الوحدات السكنية بحسب الأسعار المفروضة ولكن سوف نركز جهودنا ونبحث بشكل علمي وعملي عن طرق توفير وتقليل التكلفة بشكل واضح ونقترح ما يلي:

1- تخطط الدولة لإنشاء المعامل المنشآت اللازمة لصناعة وتوفير مستلزمات البناء مثل الأسمنت والحديد والبورسلان والألمنيوم والزجاج وغيرها، وهذا يتم إما بقيام الدولة بإنشاء المعامل وهذا أمر ممكن فلدى الدولة مصادر تمويل وإيرادات، أو يتم بدعوة وتشجيع وتوجيه القطاع الخاص الوطني أو شركات خارجية وعالمية للقيام بذلك، وإذا اضطررنا إلى قروض فنحصرها فقط بهذا الجانب – لأنه منتج – وبشكل مقنّن.

2- تقوم الدولة بتأسيس شركات متخصصة بالبناء والإنشاء لتنفيذ مشاريع العمران والإسكان وهذا أيضاً أمر بسيط وممكن، بشرط أن تكون شركات حقيقية يديرها الخبراء وذوي الكفاءات.

3- وإذا تعذر فيمكن دعوة شركات الإنشاء والبناء والمقاولات العالمية للمشاركة بعمليات التنفيذ من خلال طرح مناقصات مفتوحة.

4- يمكن إقامة معارض ومنتديات بهدف مشاركة جهات تنفيذ عالمية وطرح أفضل وأرخص طرق ومواد البناء الحديثة والبديلة عن المواد والأدوات السابقة.

5- اعتماد البناء الطابقي بشكل أساسي وعام سواء في المدن أو في الأرياف فالبناء الطابقي إضافة إلى توفير الأرض فإنه يختصر ويقلل تكلفة بناء الوحدة السكنية وكذلك تكلفة البنية التحتية والخدمية للتجمعات السكنية مثل الصرف الصحي والكهرباء ومياه الشرب والاتصالات والطرقات والمدارس وغير ذلك وخير وسيلة لتنفيذ ذلك هي إشراف وتخطيط وتسهيل الدولة.

6- بعد الانتهاء من تنفيذ أي مشروع أو كتلة سكنية فيجري بيعها بأسعار معتدلة وغير ربحية، وبالتأكيد سوف يكون الإقبال كبيراً من قبل المواطنين وبذلك فإن القسم الأكبر من الوحدات – حسب معظم التوقعات – سيتم شراؤها وتسديد تكلفتها ذاتياً من مدخرات الشعب السوري.

7- نفترض أنه قد تتوقف عمليات الشراء الكامل للوحدات السكنية عند حد معين، لعدم وجود المواطنين المقتدرين، وهنا يأتي دور الدفع الجزئي والتقسيط ويأتي دور الدولة بالقيام بواجبها بتأمين الضمان من خلال مؤسسات مالية وجهات قضائية وأمنية وقد نضطر لتسليم قسم من الوحدات السكنية بكامل ثمنها قرضاً ولا يوجد مشكلة طالما أن الحكومة تقوم بدور الراعي والمشرف وعند عدم الالتزام يجري سحب الشقة السكنية وطرحها للبيع بالمزاد العلني.

إذا تم تنفيذ مشروع إعادة الإعمار بشكل مدروس وبإتقان فسوف يتم التنفيذ والبناء والإسكان بتمويلٍ لن يتعدى مبلغ 30 مليار دولار بواقع 15 ألف دولار متوسط لكل وحدة.

8- مشاريع الخدمات مثل تأمين المياه والكهرباء والاتصالات يمكن القيام بها ذاتياً عندما يتم تطبيق القوانين واللوائح ويتم فرض مبالغ التكلفة على جميع السكان، فإذا افترضنا أن في سوريا ستة ملايين منزل وعقار ومؤسسة صناعية أو زراعية وسياحية.. إلخ فإذا فرضنا مبلغاً معيناً كثمن للاشتراك في خدمة تأمين وإيصال مياه الشرب والتيار الكهربائي والاتصالات وغير ذلك بحوالي 500 دولار – وهو رقم منطقي مقابل توفير ما يلزم إنفاقه لتأمين البدائل – فيكون بذلك قد تم تأمين (3 مليار دولار)

وسوف نكتفي بما ركزنا طرحه حول مسألة الأعمار والإسكان، وسوف نتابع الطرح حول مسائل الاقتصاد والاستثمار.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني