
الرئيس إلى روسيا قريباً.. ووفود عسكرية في دمشق وموسكو
تزامنت زيارة وفد عسكري روسي رفيع المستوى إلى دمشق مع وصول وفد عسكري سوري رفيع المستوى إلى موسكو برئاسة رئيس الأركان في الجيش العربي السوري، وهي زيارات تقنية لمحترفين مهنيين لتنفيذ توجيهات صدرت لهم من المستوى السياسي، وقد حصل كل ذلك تتويجاً لمسار طويل وهادئ بدأ أثناء معركة ردع العدوان، وكشف عنه الرئيس الشرع مؤخراً في اتصالات جرت مع الروس لتحييد أنفسهم عن المعركة بعد تحرير حلب والزحف إلى دمشق. وقال السيد الرئيس إنّ القيادة كانت أمام خيارين: إمّا الاصطدام مع الروس واستفزازهم وتدمير قواعدهم وتحمّل نتائج ذلك، أو تحييدهم عن المعركة وتقديم وعد لهم بضمان بعض مصالحهم بعد إسقاط الأسد، فاختارت القيادة الخيار الثاني ووافق عليه الروس، ومن الطبيعي أنّ للأشقاء الأتراك دوراً كبيراً في حدوث تلك الاتصالات والحصول على نتائجها.
كانت اللغة المستخدمة من موسكو ودمشق عند الحديث عن مستقبل العلاقة بين البلدين هادئة لا توحي بقطيعة أو السير نحوها، نظراً لهول الجرائم التي ارتكبها الجيش الروسي بحق الثوار السوريين وحاضنتهم الشعبية، فبقيت السفارة الروسية في دمشق مفتوحة ومحمية، والقواعد الروسية موجودة أيضاً، وإن لم يعد لقاعدة حميميم علاقة بالسيطرة على الأجواء السورية. كان المشهد أشبه بانهيار للنفوذ الروسي في سوريا وبقاء الحضور العسكري والسياسي فقط، وكانت الدعوات الشعبية وبعض التصريحات الأوروبية تُطالب بطرد تلك القواعد، ولكن القيادة لم تلتفت إلى ذلك مفضّلة خياراً آخر أخذ يتبلور مع مرور الوقت.
زار بوغدانوف دمشق (وهو شخصية سياسية مهمة مقرّبة من الرئيس بوتين) والتقى مع القيادة السورية، وكان الجو أقرب إلى الإيجابي منه إلى السلبي، واتصل الرئيس الروسي بنظيره السوري هاتفياً في خطوة تعكس نجاح زيارة بوغدانوف إلى دمشق ودعاه إلى زيارة موسكو.
الاختراق الهام في مسار وآفاق العلاقة السورية الروسية هو زيارة وزير الخارجية السوري الأخيرة إلى موسكو، حيث ضمّ الوفد شخصيات عسكرية وأمنية رفيعة المستوى، وكان للزيارة أبعاد سياسية وعسكرية أكثر منها في جوانب أخرى، إذ إنّ كل الاهتمام الروسي في سوريا تاريخياً يعود لأبعاد جيوسياسية وليس اقتصادية، إذ تُعتبر سوريا بلداً فقيراً بالموارد ولا يُثير شهية دولة عظمى قوية وغنية مثل روسيا. وقد جرّدت الإدارة السورية الروس من أهم مكسبين اقتصاديين حصلا عليهما في سوريا، وهما إدارة مرفأ طرطوس واستثمار حقول الفوسفات، ولم يُبدِ الروس أي شكوى أو تبرّم من ذلك.
استقبل بوتين الشيباني أثناء زيارته لموسكو، وهو تصرّف خارج الأعراف الدبلوماسية الروسية، إذ نادراً ما يفعله الرئيس مع وزير خارجية دولة أخرى، ووجّه دعوة للرئيس الشرع لحضور القمة العربية الروسية في منتصف تشرين الأول الجاري.
ثم زار دمشق نائب رئيس الوزراء الروسي مع وفد كبير وأجرى محادثات هامة، واستقبله الرئيس الشرع أيضاً، وكانت تلك الزيارة تعبيراً عن توجّه جديد بين البلدين في السير بمسار ثابت في العلاقة بينهما وتجاوز فكرة البرود الذي يوصل إلى القطيعة.
وما نشرته معرفات وزارة الدفاع السورية عن الزيارتين الجاريتين الآن في موسكو ودمشق هو البحث في عمق تفعيل التعاون العسكري بين البلدين.
يرى مراقبون كثر أنّ هناك رغبة تركية وعربية أيضاً تتلاقى مع رغبة القيادة السورية في أن لا تكون سوريا الجديدة ضمن أي محور إقليمي أو دولي، وأن تكون علاقتها متوازنة مع كل الأطراف، حيث هي في مسيرة بنائها بحاجة إلى الجميع دون استعداء أحد منهم.
وقد جسّد ذلك عملياً الرئيس السوري، إذ بينما كان في أثناء زيارته لنيويورك ولقائه الرئيس الأمريكي على بُعد أيام من ذهابه إلى موسكو، التقى بالرئيس الأوكراني ووقّع معه اتفاقاً لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
العداء مع روسيا ليس عداءً استراتيجياً ذا أبعاد أيديولوجية، بخلاف العداء السوري مع الكيان وإيران، حيث للروس مصالح يمكن تأمين بعضها مقابل منافع تجنيها سوريا من تلك العلاقة.
يرى بعضهم أنّ تدمير إسرائيل للبنية التحتية العسكرية لجيش النظام البائد في اليوم التالي لوصول حكم سوري وطني إلى دمشق هو طيّ لصفحة السلاح الشرقي عند بلد عدوّ قادم، لأنّ اعتماد العهد الجديد على تسليح جيشه بسلاح غربي أضمن للكيان من سلاح آخر، إذ إنّ السلاح الشرقي لا يمكن السيطرة على نوعيته وكميته، بينما يتحقق ذلك بسهولة في المصادر الغربية التي يعلم الجميع أنّ جوهر سياستها في المنطقة هو الحفاظ على تفوق إسرائيلي كاسح على جميع دول الجوار. إضافةً إلى أنّ بيع السلاح الغربي (عدا عن غلاء ثمنه) يخضع لاعتبارات سياسية، ويمكن أن يصبح أداة ضغط أيضاً.
ونلاحظ أنّ الدول الحليفة للولايات المتحدة كتركيا تحاول التخلص من تلك الهيمنة في شرائها لمنظومات متقدمة من السلاح الأمريكي والاعتماد على تصنيع جزء كبير من تلك الاحتياجات محلياً، وقد وصل الأمر بتركيا إلى شراء منظومة S400…
أما الدول الشريكة للولايات المتحدة في المنطقة مثل مصر ودول الخليج العربي، فإنها بدأت تُنوّع في مصادر تسليحها ووجّهت أبصارها نحو الصين وروسيا وباكستان وغيرهم.
أما بالنسبة للجيش السوري الوليد، فيرى بعضهم أنّه يمكن أن يعتمد بنسبة كبيرة على ما تُنتجه الصناعات العسكرية التركية، وأن يُعوّض النقص بسلاح شرقي.
كما أنّ لروسيا حضوراً سياسياً دولياً، وخاصة عبر عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، ووجود علاقة معها هو أمر جيّد.
يمكن تجاوز العداوة بهدوء وحذر، إذ إنّ عقلية الدولة تُفكّر بالمصالح لا بالانتقام، وبالمستقبل لا بالماضي، ويوجد آليات كثيرة لتجاوز العقبات، منها تعويضات روسية عن جرائمها في سوريا، وذلك بالاتفاق على مبلغ مالي يتم دفعه على شكل معدات عسكرية وتدريب، وممكن الاعتذار عن تلك الجرائم للشعب السوري، وممكن تسليم الأموال السورية التي هرّبها الأسد ورموز نظامه، بل وممكن تسليمه نفسه ومعاونيه الموجودين في موسكو لاحقاً.
إنّ وجود علاقة جيدة للحكومة الروسية مع دمشق ممكن أن يُصيب بالإحباط كل أعداء سوريا الجديدة، ويمنع توقّع دعم منها لهم، بل على العكس، دعم الحكومة السورية ضدهم وأبرزهم الفلول والهجريون والقنديليون.
إنّ تجاوز الجانب النفسي والعاطفي أمر مهم جداً، ونتوقع ردود فعل غاضبة من الحاضنة الشعبية التي ذاقت الأمرّين من العدوانية الروسية، ولكن للضرورة أحكام، ومن تلك الأحكام إباحة المحظورات.