
سوريا خارج الوصاية الدولية.. استقال بيدرسون ومات 2254
لأنّ سوريا في قلب العالم، ولأنّ موقعها الجيوسياسي هام للغاية، ولأنّ السوريين كانوا جاهزين لاستلام شعلة الربيع العربي من غرب الوطن العربي وإيقادها في شرقه، كان التدخل الدولي باكراً في سوريا. كان كل طرف يرى أنّ سوريا تهمّه، فتصارعت على أرضها مشاريع أيديولوجية وجيوسياسية وأمنية، وكان كل طرف يعمل على طريقة: إذا لم ينجح مشروعي فمن الضروري أن أُعرقل المشروع الآخر. وحده المشروع الوطني السوري تمكّن في النهاية من النجاح وتحرّرت سوريا من الاستبداد وتحاول الآن إزالة الركام والرماد عنها لتنهض من جديد.
بدأ التدخل العربي باكراً، وانحازت أغلب الدول إلى الجهة المعادية للأسد، وتمّ طرد النظام من جامعة الدول العربية ومن الفضاء السياسي العربي بعد أن قطعت أغلب الدول علاقتها معه، ومنها من كان الداعم الرئيسي لقوى الثورة السورية وبشكل علني.
كان نظام الأسد محسوباً تاريخياً على الخط المناهض للولايات المتحدة والمصنّف أمريكياً كدولة مارقة وراعية للإرهاب، إنما لا مانع من التعاون معه في ملفات محددة.
سار الوريث على نهج أبيه، فكانت سوريا في عهده قريبة من موسكو وطهران، وتلك العاصمتان – ولأسباب مختلفة – كانتا داعمتين صلبتين لنظام الأسد، وشكّلتا الجدار الصلب الذي حمل النظام المترنّح، وارتكبتا أبشع المجازر لإبقائه حاكماً لسوريا.
تصدّى الأمريكيون والروس لإدارة الصراع في سوريا، وظهر ذلك جلياً منذ بيان جنيف1 الذي كان الأساس الذي بُني عليه القرار الدولي الرئيسي 2254، والذي تم إقراره في أواخر العام 2015 بعد الانخراط العسكري الروسي المباشر في الحرب السورية. وكان من القرارات النادرة التي تم تمريرها بإجماع مجلس الأمن.
شكّل القرار مرجعية لحلّ الصراع السوري وفق مبدأ أساسي بأن لا حلّ عسكرياً في سوريا يتمّ بموجبه إلغاء طرف لصالح طرف. إنما كان جوهره هو تشكيل هيئة حكم انتقالي أو حكومة غير طائفية وذات مصداقية تتكوّن بالمناصفة بين المعارضة والنظام لإخراج سوريا من مآزقها. ولكن عملياً كان قراراً دولياً لإدارة أزمة أكثر منه لحلها، حيث لم تتوفر إرادة سياسية حقيقية لذلك. وكان ذلك متاحاً في “شهر العسل” النسبي بين روسيا والولايات المتحدة، إذ وافقت حينها واشنطن على عمليات روسيا العسكرية لتغيير موازين القوى على الأرض، والتي لم تكن في صالح النظام قبل تدخلها المباشر في أيلول 2015.
بعد سقوط نظام الأسد وبروز ملامح تحوّل سوري استراتيجي نحو الغرب واهتمام الولايات المتحدة بهذا المكسب الجيوسياسي لها، بدأت الخطوات من الحكومتين السورية والأمريكية باتجاه التقارب أولاً، والتطبيع ثانياً، رغم العقبات والمطبات الكبيرة التي تعترض ذلك المسار. ومن أهم تلك المطبات هو الرفض الإسرائيلي لتعويم العهد السوري الجديد إلا بشروط إسرائيلية، ومع أنّ كثيراً ما تتقاطع مصالح واشنطن وتل أبيب إلا أنها تباينت في سوريا.
كانت الولايات المتحدة، بخططها الاستراتيجية، ترغب في تمكين الحكومة السورية بأن تكون مركزية وقوية، تتمكن من توحيد البلاد وقيادة عملية تعافٍ اقتصادية وتنموية وسياسية ومجتمعية، لأنّ ذلك يتيح أن تكون سوريا فاعلاً إيجابياً في منظومة أمن المنطقة التي ترعاها الولايات المتحدة.
وقد بدأت عملياً في إجراءات سحب قواتها من سوريا والعراق، وتريد أيضاً حكومة سورية شريكة لها في الحرب على الإرهاب بأشكاله المختلفة (السنية والشيعية)، مع تحوّل سوريا إلى بلد يحارب صناعة وتهريب المخدرات وتصدير الإرهاب.
لم تكتفِ الولايات المتحدة بالأقوال، بل عمد الرئيس ترامب إلى لقاء الرئيس الشرعي ووقّع أمراً تنفيذياً بإلغاء كافة العقوبات الأمريكية الرئاسية عن سوريا والتي قارب عمر بعضها على النصف قرن.
أرسلت واشنطن مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا وشجعت على الاستثمار فيها، وكان حضور المبعوث الأمريكي لتوقيع الاتفاقيات الكبرى إلى جانب الرئيس السوري رسالة للعالم أنّ لا عقوبات قادمة في الطريق ولا عقوبات ستبقى، وأنّ الولايات المتحدة بمثابة الضامن والمشجع لتلك الاستثمارات.
ومؤخراً خرج الاهتمام الأمريكي من السياسيين إلى أهم المؤسسات التشريعية، حيث طلبت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب من البنتاغون والسنتكوم إعداد دراسة عن شراكة عسكرية سورية-أمريكية وتقديم الدراسة قبل شباط 2026. وبذلك بدأت العلاقة تدخل إلى مؤسسات ما يسمى بالدولة العميقة أو مراكز صنع السياسات.
لم يتأخر القائد الجديد، الجنرال كوبر، في زيارة عمل تخلّلها طابع ودي، واجتمع مع الرئيس وبعض وزرائه في خطوة تعني الكثير، وقد يكون أولها انضمام سوريا إلى تحالف “العزم الصلب” لمحاربة الإرهاب وإخراج “قسد” من الشراكة الأرضية مع التحالف.
لا شكّ أنّ القرار الدولي 2254 (كما غيره من القرارات الدولية) لم يُطبّق لعدم توفر الإرادة السياسية لتطبيقه، فلم تكن روسيا تقبل بذلك وقد عرقلت أيّ تقدم بشأن تطبيق ولو شكلي له، وحاولت القضاء عليه عبر سعيها الحثيث لنصر عسكري لحليفها الأسد وفشلت في ذلك. كما حاولت رسم مسارات بديلة له كمسار أستانة لتجاوزه ولم تتمكّن من ذلك.
بسقوط الأسد خسرت روسيا حربها في سوريا، إذ إنها لم تتمكّن من تحقيق انتصاره بل لم تتمكّن من إبقائه لاعباً رئيسياً في الملف السوري يتيح لها التحكّم بمآلات الحل السوري. وبعد الصدامات الكبرى مع الغرب لروسيا وإيران، كان ضمان عدم عودتهما للملف السوري من باب القرار الأممي حدثاً منطقياً، بل خطاً أحمر دولياً، فالخاسرون لا ينبغي لهم تقرير مستقبل سوريا أو التدخل فيه.
ما يحدث في سوريا هو عملية سياسية سورية خالصة بقيادة سورية مدعومة إقليمياً ودولياً. وبالتالي تحتاج هذه المرحلة إلى أدوات جديدة ورؤى جديدة وأفكار جديدة. وأصبح القرار الأممي في أدراج أرشيف المنظمة الدولية، حيث سيعطي أكبر المثل على فشل المنظومة الأممية في إيجاد الحلول للصراعات، وبأنّ الشعوب التي تريد التخلص من جبابرتها ما عليها إلا سلوك طريق الثوار السوريين في الاعتماد على ذاتهم وعدم الركون إلى القوانين الدولية والنوايا الطيبة ومزادات المنظمة الأممية وبازاراتها.