مشروع كوردستان سورية وأسباب ولادته وتجميده وإنعاشه

0

لقد كانت مسألة إقامة دولة مستقلة وطبيعية للأكراد مجرد حلم ساذج وبعيد عن الواقع ويستحيل تحقيقه، وذلك باختصار لأن الأكراد في معظم أماكن تواجدهم يفتقرون إلى المقومات الأولية والأساسية للوطن الخاص والدولة المستقلة، ولا يوجد شعب كوردي خالص ومتجانس يشكّل الأغلبية الراجحة ويتواجد على أقاليم خالصة للأكراد وتعود بملكيتها التاريخية والقانونية للأكراد. ولا نريد أن ندخل في مجال مساعدات إقامة دولة طبيعية حيث لا يوجد شواطئ بحرية وموانئ، وسوف تكون الدول والشعوب المحيطة محيطاً معادياً.

لقد بقي حلم وفكرة إقامة دولة خاصة أداة ناجعة وقوية لاستغلال الأكراد وابتزازهم وتسخيرهم لخدمة الواعدين.

ولكن مع مجيء الربيع العربي واندلاع الثورات ضد الأنظمة العربية الوظيفية، وخاصة رائدة الثورات وعين العاصفة، وهي الثورة السورية العظيمة، ومع هذا التحول الجارف والبركان المتواصل فقد انهارت مشاريع ومخططات اللاعبين الأقوى في هذا العالم وتزلزلت موازين القوى التي كانوا قد أنشؤوها وتهددت حدود الخرائط التي رسموها.

وأبرز ما حدث واستجد هو فساد وتعطّل إيران الملالي والإنذار الصاعق بوشوك خروجها عن الخدمة، وذلك بسبب:

1 ـ استنزافها وضعفها وانكشاف هزل هيكلها وهشاشة بنيتها.

2 ـ انكشاف فلسفة وفكرة توظيفها التي تعتمد على الصراع الطائفي، وافتقادها لميزات الحماس والإبهار والاندفاع والاستقطاب التي كانت تتزود بها عند بداية توظيف الخميني. ولقد تم استغلال واستحلاب فلسفة الصراع الطائفي حتى وصل النفخ والتحريض والتحشيد إلى درجة الإشباع، أما القطف والحصاد فقد وصل إلى الإفلاس والنضوب.

وأمام هذه المستجدات المستفزة فقد قررت فرق صناعة القرار في مقر العمليات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية إيجاد وإنشاء بديل عن إيران. وبعد البحث العاجل واستناداً إلى كم هائل ومتراكم من الدراسات السابقة والمعلومات، فقد تم اختيار كوردستان الكبرى لكي تكون بديلاً لإيران وعنصراً من ماكينة وآلية توازن القوى الجديد في الشرق الأوسط الجديد المعدّل الحدود والتداخلات.

لقد كتبتُ ونشرتُ قبل حوالي عشر سنوات مقالاً مطولاً بعنوان: وعد (بلفور) أمريكي بإقامة كوردستان الكبرى.

وفعلاً فقد باشر الأمريكيون بإنشاء وتأسيس دولة كوردستان، وأخذوا بتأسيس كيانٍ كوردي انفصالي في شمال شرق سورية لضمه ودمجه مع كيانات مشابهة في كل من العراق وتركيا وإيران وتوحيدها لتشكيل كوردستان الكبرى. ولقد باشر الأمريكيون بصناعة وإعداد عناصر إنشاء دويلة مثل تجمعات وتشكيلات مسلحة تماثل الجيوش، وميليشيات مسلحة أخرى تقابل قوات الأمن، وصارت تقدم الدعم المالي وتؤمن التسليح والتدريب، وتوجّه وتشرف على إنشاء هيئات ودوائر ومؤسسات. وقد استخدم الأمريكيون الكيان الكوردي وأذرعه والتلويح بتسريع إنجازه للضغط على تركيا.

ولكن وكما يعلم الجميع فقد حدث الصدام والصراع الدولي في ميدان أوكرانيا، ولقد نتج عنه انفجار وتخرب التوافقات الدولية، وقد اشتغلت محركات الاستقطاب العالمي بأقصى طاقاتها، وتبع ذلك تحالفات واصطفافات إقليمية، ورافق ذلك تجاذب وتدافع بين القوى الدولية والإقليمية. ولا شك أن كل هذه التحولات والمفترقات سوف تضطر اللاعبين الرئيسيين ومهندسي الخطط وراسمي الخرائط ومصممي التوازنات إلى تغيير خططهم وتعديل برنامجهم.

وفيما يخص الشرق الأوسط ويتعلق بسورية، فقد قررت الولايات المتحدة الأمريكية ـ إضافة إلى رفع الحماية عن النظام السوري البائد وتسهيل إزالته وذلك تحجيماً لروسيا وتقليصاً لأماكن نفوذها ـ أن توقف مشروع كوردستان وتؤجل إنجازه، وذلك لسببين:

أولاً: عدم ضمان الأمريكيين لبقاء كوردستان المصطنعة بيدهم وفي خدمتهم، واحتمال تحولها إلى خانة روسيا أو غيرها مثل الصين، خاصة مع تصاعد طموحات الروس الإمبراطورية.

ثانياً ـ خشية إزعاج وإغضاب تركيا في ظرف حساس لا يصح إغضابها فيه، وهو اندلاع وتصاعد الحرب في أوكرانيا وتعاظم قيمة وأهمية تركيا.

والآن، وبعد فهمنا لأسباب إيجاد وتأسيس كوردستان ولأسباب إيقاف المشروع وتأجيله، ما هي آفاق هذا المشروع؟ وكيف سيتصرف اللاعبون وصانعو القرار؟ وماذا يتوجب علينا نحن السوريين أن نفعل؟ وكيف نتعاطى ونتصرف؟ وما الذي يجب علينا أن نفهمه بوعي؟

إن مشروع كوردستان هو من اختراع وصناعة الولايات المتحدة الأمريكية، وإنه يعتبر مشروع أمريكا المستقبلي في الشرق الأوسط الجديد. ويجب أن ندرك أن الأمريكيين أوقفوا العمل في المشروع وأجّلوا إتمامه، ولكنهم أبداً لم ينهوا المشروع تماماً ولن يقبلوا موته وإعدامه!

إذن ماذا فعل الأمريكيون بمشروعهم هذا بالضبط؟ لقد جمّدوا المشروع تجميداً، ولكنهم لم ينهوا وجوده ولم يقرروا إلغاءه.

وماذا يريد الأمريكيون وكيف سيتصرفون؟

الأمريكيون يريدون في المستقبل، وفي الوقت المناسب، أن يتم إنعاش المشروع الذي تم تجميده ووضعه في حالة سبات إلى إشعار آخر، بحيث يتم إنعاشه وإعادة إحيائه وبناؤه وتأهيله. ولكن هذا الفعل سيقوم به الأمريكيون بعد إضعاف روسيا بشكل يحجّمها ويحصرها داخل حدودها مثل أي دولة أخرى، وبعد تخليها مرغمة عن محاولات التوسع والاستقطاب وبناء التحالفات التابعة لها، وكذلك بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا وانتهاء الدور التركي المعوَّل عليه وغياب أهمية تركيا وانعدام الخوف من انحيازها إلى صالح روسيا.

وهنا يجب أن ندرك ونعي أن الأمريكيين حتى يتمكنوا من إحياء مشروعهم وتوظيفه بالسرعة المطلوبة عند الحاجة، فإن المشروع لا يجوز أن يصبح جثة هامدة أو عناصر متفسخة، بل يجب أن تكون عناصر ومقومات المشروع موجودة وصالحة ويمكن تجميعها.

لذلك فإن الأمريكيين يصرّون على الإبقاء على الميليشيات الكوردية المسلحة والمؤدلجة، ويراوغون ويخادعون مطالبين بشكل دبلوماسي وتفاوضي بجعل هذه المجاميع من ضمن الجيش السوري وقوات الأمن، وكذلك إبقاء ما يسمونه أحزاباً ـ وهي تجمعات عصبوية إثنية وانفصالية ـ وذلك لكي توجه السكان الأكراد وتعمل على تعبئتهم وتحضيرهم.

ويحاول الكوردستانيون بتوجيه من داعميهم وبإصرار ترسيخ ثقافة ورغبة الانفصال ولو تحت مسميات مختلفة مثل الفيدرالية أو اللامركزية أو الحكم الذاتي وغير ذلك، ويحاولون فرض اللغة الكوردية.

أما تركيا ـ وهذا ما يجب أن نعلمه ونعيه ـ فإنها ترفض رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال الانفصال وإقامة كيانٍ ولو جزئي من مشروع كوردستان. وإن تركيا تعتبر أن أي نشاط له صلة بالمشروع أو يخدم تأسيسه هو نشاط معادٍ يهدد الأمن القومي التركي، وهي مستعدة لخوض حرب حقيقية ضد أي دولة بهدف منع إقامة كيان كهذا. وبذلك فإن تركيا هي الدولة الرئيسية التي تتطابق مصالحها في هذا الصدد مع مصالحنا بشكل تام.

الكوردستانيون كيف يتصرفون؟

الجواب: إنهم ينفذون أوامر وتعليمات وتوجيهات الداعمين، وإنهم يحتفظون بعناصر ومقومات مشروعهم. ويجدر بالذكر أن الكوردستانيين يفهمون كل التفاصيل التي تحيط وتتحكم بمستقبل المشروع ويؤمنون بأن الأمريكيين يؤجّلون ويجمّدون، ولكنهم في زمن ليس ببعيد سوف ينعشون المشروع ويحيونه. لذلك فإن الكوردستانيين يستخدمون تكتيك وخطة تضييع الوقت وتشتيت المسارات وإطالة وقت التفاوض بهدف البقاء على هذه الحال حتى يحين الزمن والظرف الأمريكي المناسب لاستئناف العمل لإقامة المشروع.

ومن خلال النظر وتفحص كامل التفاصيل التي تم ذكرها، فإن الجانب السوري يجب أن يتصرف بالشكل التالي:

أولاً ـ يجب الالتقاء والتنسيق والتحالف التام مع تركيا، ويجب ترجيح دولة تركيا والتشارك معها على أي دولة أخرى ومسايرتها واسترضاؤها.

ثانياً: يجب ترجيح خيار الحزم والقوة حتى لو أدى ذلك إلى خوض حرب، لأن الحروب قادمة لا محالة وسوف تستمر مع التهاون والتساهل وظهور كيان كوردستان العدواني التوسعي الجائر.

ثالثاً ـ يجب دعم العشائر والقبائل العربية في شمال شرق سورية، لأنهم هم أصحاب الأرض السلفيون والأصليون، وهم الأغلبية الظاهرة، فيجب دعمهم واستخدام طاقاتهم الهائلة عسكرياً وميدانياً وكذلك اجتماعياً وجماهيرياً واقتصادياً، واستخدام وزنهم تاريخياً وقانونياً وحقوقياً لأنهم هم أصحاب ومالكي الأراضي والقرى والبلدات.

رابعاً: يجب الإسراع قدر المستطاع بما يسمى مفاوضات، ويجب حرق المراحل بحزم واحتراف، كما يجب تكثيف الجلسات وزيادة لجان التفاوض والمعالجة للنقاط المطروحة، ويجب تفويت الفرصة على الانفصاليين بمحاولة الإطالة وتشتيت المسارات وتشعيب النقاط.

خامساً: وبالمختصر يجب على السوريين استغلال الظروف الدولية والإقليمية التي ترتبط بها، ويجب استغلالها بفطنة وذكاء وشجاعة، لأنها فرصة سانحة قد لا تتكرر.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني